ميديا بلوس-تونس-تفضّل صديقي الأستاذ الحمروني الحمروني بإهدائي نسخة من كتابة الذي ترجمه للضّابط الفرنسي جان سران (Jean SERAN) وصدر عن منشورات الثقافية في ديسمبر 2016 تحت عنوان “مضارب المرازيق”.
صدر الكتاب الأصليّ باللغة الفرنسيّة عام 1948 بتونس عن (Tunis-Ed. »LA Rapide») تحت عنوان (Parcours Marazig) في 209 صفحات. وصدّره الجنرال ريمون دوفال (Raymond Duval) (2) بتقديم جاء في أوّله ” جاب جان سيران الجنوب التّونسيّ على رأس الفصائل الصّحراويّة لسريّة المرازيق… تفاصيل جولاته واتّصالاته برجال الصّحراء رعاة كانوا أو محاربين يرويها المؤلّف-دون تصنّع- في هذا الكتاب الجميل. إنّ حبّ المغامرة سوف يتملّك الشّباب وهم يتعقّبون آثار سيران في مسالك الجنوب. وإنّا لنأمل أن تنشأ عن هذا اللّقاء انجذابات جديدة نحو الصّحراء”.
أمّا مؤلّف الكتاب فلم فلا يعرف عن حياته غير قيادته لهذه الفصائل الصّحراوية بالجنوب الغربي التّونسي.
يقع كتاب “مضارب البدو” في 293 صفحة من الحجم المتوسّط (14-20) في طباعة مشرقة واضحة وبترجمّة أنيقة أناقة ما يمتلكه المترجم من حذق اللّسانين العربي والفرنسيّ، مع توخّي الأمانة في نقل روح النّص الأصلي للقارئ العربيّ.


في الباب الأوّل من الكتاب تحت عنوان “مرابطون” فصلان اثنان أورد في الفصل الأوّل (الأوائل) تقديما تاريخيا لمنطقة المرازيق من خلال الرّواية الشّفويّة وفيه حديث عن سيدي مرزوق وذرّيته وعن “الغوث” و”المحجوب” بينما تحدّث في الفصل الثّاني (المعاصرون) عن شيوخ الجامع وما يتّصل بالحياة الرّوحيّة للمرازيق.
أما الباب الثّاني (رعاة) فيضم ثلاثة فصول. في أولها (بداوة) حديث عن رعاة الإبل ومراعيهم وعن معرفتهم بالحيوان والنّبات وحذقهم في اختيار المراعي ومن أطرف ما قرأته عنهم قول الكاتب في الصفحة 91 ” دور الرّاعي المرزوقي إذن هو أن يتبع إبله أكثر ممّا هو يقودها” وهو فصل لا يخلو من طرائف الأخبار والحكايات الشّعبيّة التي تختلط فيها الحقيقة بالخيال الشعبيّ. ثم يأتي الفصل الثّاني (موارد الماء) وفيه تفصيل عن أنواع موارد الماء المعروفة ببادية المرازيق وهي ثلاثة: الثّماد والغدير والبير. أمّا الفصل الثّالث (أمان) فلا يخلو من ذكر بطولات المرازيق والبعض من معاركهم ومناوشاتهم.
أمّا الباب الثّالث (قصّاصو الأثر) فقد خصّصه الكاتب للحديث عمّا يمتاز به ساكنو هذه الصّحراء الرّمليّة من معرفة دقيقة باقتفاء الأثر وما لديهم من خبرة فائقة في هذا المجال.
أمّا الفصل الرّابع (فلاقة) فقد تعرض فيه الكاتب لما لاقاه المستعمر الفرنسيّ من مقاومة شديدة وعنيفة من قبل شباب المرازيق الثّائرين ضدّ الظلم والطّغيان
ونقف في الفصل الخامس (بدو مستقرون) عن بداية استقرار البدو في مدينة دوز ونشأة المدينة وتشييد بناءاتها الأولى بالجبس والحجارة المحلّيّة بعد أن كانت مجرّد خيام وأكواخ مبعثرة هنا وهناك بين كثبان الرّمال.
وفي الفصل السّادس والأخير (فرسان ومغامرون) بدأ المؤلّف بذكر من يعتبره الفرنسيّون مغامرا تنسب له البطولة والتّضحية من أجل وطنه: المركيز دي موراس الذي اغتيل يوم 9 جوان 1896 بمنطقة الوطية بعد أن غدر به قراصنة الصّحراء من التّوارق والشّعانبة. ولم يغفل الكاتب عن ذكر “بطولات” الضّبّاط الفرنسيّين ومغامراتهم.
وجدت في هذا الكتاب جذبا شدّني لقراءته والتهام صفحاته بنهم شديد ولاشكّ أنّ لأسلوب المترجم السّلس الأنيق سرّا في هذا الجذب كما أنّ لقدرة الكاتب الأصلي على الوصف والنّقل أثرا كبيرا في الأمر.
لا بدّ للقارئ لمؤلفات هؤلاء العسكريّين أن يقف على مدى نظرتهم للأهالي وعلى رأيهم في المقاومة وهو ما نتبه له المترجم ودعاه للتّحفّظ على بعض ما ورد في الكتاب من معلومات ولكنّ الكتاب مع ذلك وثيقة تجمع بين التاريخ وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا. “إذ يراوح الكتاب بين التّوثيق الموضوعي والسّرد الواقعي والقصّ الخيالي…” (3)
هنيئا للأستاذ الحمروني بهذا العمل المفيد وهنيئا للمكتبة التونسيّة العربيّة بهذا المرجع الهام.
—————–
1- الحمروني الحمروني من مواليد مدينة دوز بالجنوب الغربي التّونسي عام 1949. باحث في الأدب الشّعبيّ وشاعر و رسّام. ساهم في لجان التحكيم في مسابقات الشّعر الشعبيّ في المهرجانات الوطنيّة والجهويّة رئاسة وعضويّة. ألقى العديد من المحاضرات على منابر اللجان الثقافيّة وخلال المهرجانات والنّدوات الفكريّة. نشر مقالات عديدة في المجلات والصّحف حول الأدب الشّعبيّ. صدر له كتاب” حديث الأنس والاعتبار في طرائف الأشعار والأخبار” وله مخطوطات عديدة تنتظر النّشر.
2- (Ramond Duval) ريمون دوفال: جنرال فرنسيّ. مولود بمونبلييه في 19-09-1894 ومتوفّى في المغرب في 22-08-1955. شغل منصب القائد الأعلى للجيش الفرنسي في تونس والمغرب. اقترن اسمه بمجازر ثورة سطيف وقالمة بالجزائر في 8 ماي 1945.
3- المترجم ص 8.

لا تعليقات

اترك تعليق