ميديا بلوس-تونس-ضمن نصوص الأستاذة فوزية عاشور، ننشر الجزء الثالث من مذكراتها بعنوان “حنين”:

جاء موعد إجراء مناظرة السّنة سادسة وفي تلك السّنوات الخوالي من أواخر السبعينات 1978 كانت المناظرة هي المعيار والمحرار لنجاح التلاميذ فلا ينفعنّك المعدّل حتى لو حصلت على الأرفع. فمن لا يجتاز المناظرة يعيد السنة دون شكّ. استعددت لها وقلبي واجف إذ أنّنا سنجتازها في المعهد المختلط بقابس وبين مدرستي والمعهد مسافة هي المستقبل كلّه، في ذلك اليوم ارتديت فستانا جميلا لونه أخضر أذكره جيّدا فقد خاطته لي عمّتي ”فطوم ” – سلّم الله يداها- وقد احترت حينها لأنّني لا أملك حذاء يناسب المقام فاضطررت لاستعارة حذاء أمّي رغم أنّ قدميّ الصغيرتين كانتا غارقتين فيه إلاّ أنّه كان أفضل من أن أدخل الامتحان بخفّين، حين استقللنا الحافلة في ذلك اليوم بدا لي المعهد في ولاية أخرى وبدت المسافة تطول وتهتزّ لها جوانحي وتضطرب لها دقّات قلبي، المعهد المختلط بشنتش لا تفصلنا عنه غير بضعة كيلومترات بدت لي يومها أبعد من زحل، دخلنا المعهد لقد كان كبيرا جدّا فيه عمارتين شاهقتين أُبهرنا بهما يومها وله ساحتان واسعتان تفصل العماراتين. بحثنا عن قاعة الامتحان فدلّنا أحدهم على ممرّ طويل فيه قاعات عديدة وأمرنا أن نلزم قاعتنا، لكنّنا يومها ودماء الطّفولة تجري في عروقنا لم نكد نكمل امتحان الحساب حتّى غادرناها مسرعين لنستطلع ما يوجد من خبايا في ذلك العالم الغامض، أذكر أنّنا تجرّأنا على دخول قاعة شبه مغلقة حين رأينا فيها أشياء غريبة ووقفنا مذعورين أمام هيكل عظميّ ارتجفت أوصالنا وشخصت عيوننا والتفتنا إلى بعضنا وصرخنا قبل أن تستطيع أقدامنا إسعافنا بالفرار، يومها كانت المرّة الأولى في حياتنا التي نرى فيها هيكلا أمامنا تملّكنا الرعب وملأنا الممرّ بين القاعات صراخا وضجيجا ولا نعرف كيف أمضينا يومنا ذاك وقلوبنا الصغيرة تخفق كقلوب العصافير.
أتممت المناظرة و انتظرت النّتيجة كان مطمئنّا قلبي لنجاحي، راضية نفسي عن أدائي ولكن يوم علمت بخروج النتيجة اضطربت وتملّكني الخوف. كنت يومها أزور والدتي كي ألاعب أختي الصغرى وحين سمعنا الزغاريد أسرعت أمي وأخذتني من يدي لنذهب إلى المدرسة دخلت بين الصفوف أبحث عن اسمي وحين وجدته التفت إلى أمّي وأجهشت بالبكاء غادرنا المدرسة وعيوننا ملؤها دموع الفرح وأذكر يومها أنّ الحارس ظنّ أنني راسبة حين رآني أبكي فحاول تسليتي بقوله ”مش مشكلة مازلت صغيرة إن شاء الله العام الجاي” فابتسمت أمّي و أخبرته أنّني نجحت وأنّها دموع الفرح لا غير. لكنّ تلك الدّموع صارت دموع حزن حقيقيّ بعد أن ذهبت وأمّي إلى دار جدّي كي نخبرهم بالنّتيجة، فقد خاصمت عمّتي- سامحها الله – أمّي ولامتها لأنّها لم تخبرهم قبل ظهورها كأنّه لا حقّ لأمّي بالفرح مادمت لا أقيم معها، وانقلب الفرح حزنا وبتّ ليلتها و دموعي لا تريد أن تنضب… (يتبع)

لا تعليقات

اترك تعليق