ميديا بلوس-تونس-يعود تاريخ الفسيفساء إلى العهد الهيلينستي ويتمثل في تبليط الأرضيات والجدران عن طريق تجميع قطع صغيرة من الحجارة والرخام والخزف يتم صقلها حسب مقاسات معينة وتصفيفها على فراش مبني وشدها إلى بعضها بواسطة عجينة كلسية. وقد ظهرت هذه التقنية التي هي وريثة فسيفساء حصى الأودية التي استعملها البونيون بقرطاج وكركوان في القرن السابع قبل الميلاد.
مع صعود الإمبراطورية الرومانية أصبح فن الفسيفساء في خدمة العمران والتهيئة الحضرية، واستخدم في تزيين المعالم الخاصة والعمومية، وتميزت الورشات بالخبرة والمهارة في إنجاز الفسيفساء الجدارية داخل المعالم العمومية الراقية مثل الهياكل والمعابد والحمامات التي كانت جدرانها وسقوفها تغطى بمشاهد تصور مواضيع مقدسة وفق برامج إيكنوغرافية محددة.
وقد ذاع صيت المدرسة الإفريقية الرومانية التي أنتجت عبر القرون العتيقة مساحات من الفسيفساء تعد بالكم المربع تميزت بألوانها الزاهية وتشكيلاتها الحية، وهو ما جعل منها وثيقة هامة عن الحياة الإجتماعية لتلك العهود. وتعتبر مجموعات المتحف الوطني بباردو الأفضل في العالم والأكثر دلالة على مهارات حرفيي أفريقيا الرومانية الذين ظلوا يتوارثون فنهم جيلا بعد جيل.
إن الفسيفساء التي يتم العثور عليها غالبا ما تكون في حالة تلف و تداع نظرا لإنهيار المباني عليها أو بسبب الانزلاقات الأرضية أو الأعشاب التي ترمي بجذورها بين المكعبات، هذا إذا ما إستثنينا الدمار الذي أتى على ما تبقى من هذه الفسيفساء. وحتى في صورة إخراجها من تحت الردم فإنها تواجه العديد من الصعوبات الأخرى كطفوح الأملاح المعدنية بفعل التحفف تحت حرارة الشمس، أو بحكم تجمد المواد المكونة لطبقة الدعم مما يترتب عنه شحوب الفسيفساء أو تصدع قطع الرخام والحجارة. لذا فإنه كلما استحال نقل الفسيفساء من مكانها للمحافظة عليها تترك في مكانها بعد أن يتم تنظيفها وتقوية حواشيها وسد فجواتها بخليط الجير (الكلس) ثم تغطيتها بالرمال المعقمة.
كان آخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلادي منطلقا لارتقاء إفريقيا الرومانية في جميع المجالات فعززت مدرسة الفسيفساء إنتاجها ونوعته بصورة ملحوظة وستبرز هذه التغييرات التي ما فتئت تزداد شدة قطبين رئيسيين للخلق يواصل أحدهما إشعاعه على المنطقة الجنوبية من تونس انطلاقا من هدروميتوم وبالخصوص من توسدروس ويؤثر الثاني بنفوذه المتزايد انطلاقا من قرطاج بسيطرة متفوقة على كل أطراف البلاد وكافة أنحاء البحر الأبيض المتوسط.
وقد تميزت ورشات قرطاج بإنتاج آثار متميزة منذ عهد أسرة السيويريين مثل سباق العربات في الميدان (السيرك) وهو ابتكار ظهر فيه لأول مرة هذا الموضوع الذي سيشهد انتشارا منقطع النظير في العالم الروماني وقد رسم المعلم بمنظور جوي بصورة تمكن من رؤية واجهته مع رؤية من داخل الميدان حيث يدور السباق وهذه طريقة ستنتشر كثيرا بين الفنانين والرسامين، وهناك لوحات أخرى ببعض المواقع القريبة من قرطاج تستحق الذكر مثل صورة الشاعر المأسوي المنهك في التفكير العميق وهي لوحة وجدت في توبوربو مايوس ولوحة إهداء العنب لاكاريوس بأوذنة الذي رسم حسب نموذج معهود تحتل ساحته ودود وهي تقطف العنب وكذلك لوحة إبحار وينوس بأوتيكا.
وبصفة موازية لتنفيذ هذه المآثر نشاهد توزيع أساليب جديدة في التركيب مثل رسم الصورة الكبيرة على أرضية بيضاء أو تجمع حر لبعض النماذج وتوزيعها حسب سجلات أفقية فهذه الأساليب المبتكرة التي أخذت تحتل مقام النموذج الكلاسيكي ذي اللوحة المركزية قد يسرب النظر للمشاهد من عدة زوايا مختلفة. كما تمكن من تقديم مختلف أحداث القصة مع احترام تواتر وقوعها. فالعديد من اللوحات تعطي صورة من هذه الاتجاهات مثل لوحة الحياة الريفية بأوذنة وحيوانات الملعب المدرج في الجم وصورة لاعبي النرد في لوحة بالجم وكذلك لوحة صيد بمساعدة الكلاب المطاردة وفسيفساء المولى يوليوس بقرطاج.
لكن الجديد الذي أدخلته المدرسة الإفريقية إلى جانب النماذج التقليدية يعطي فكرة على ذوق البرجوازية المحلية واهتماماتها وهي تعطي مكانة أوسع لخصائص الحياة اليومية لمشاهد من صيد السمك أو مصارعات الملعب المدرج وسباق الخيل والعربات والمباريات الرياضية وحياة العامة ومختلف أنواع النزهة والألعاب الترفيهية مما يجعل من هذه المواضيع الجديدة منجما حقيقيا للمعلومات عن العقليات والتقاليد والحياة الثقافية في تلك العهود. وبذلك نلاحظ توسيعا ملحوظا لآفاق الفسيفساء التي كانت إلى هذا الحد مقتصرة على نواح من القصص الميثولوجية وهو توجه يعطي المزيد من التعبير عن القيم التي كانت تؤمن بها الشرائح المسيطرة والتي أعطت من زركشة منازلها فكرة عن ثرواتها وعن مختلف أنشطتها بفتح المجال لإبراز ما كانت تتبرع به عند تنظيمها لمآدب الطعام والعروض الترفيهية التي تنظمها بمناسبة ترقيتها في الوظائف الإدارية والسياسية على مستوى مدنها أو على مستوى الإمبراطورية مثلما هو شأن واحد من أشهر أثرياء سميرات (قرب المكنين) سعى إلى تخليد صورته كمتبرع سخي عند تنظيمه للحفل الذي أقامه الملعب المدرج برعاية ديانا وديونيزوس مع صورة من مشهد صيد يتبارى فيها صيادون محترفون مع فهود ضارية.
وسعيا من الفنانين للاستجابة لرغبات أصحاب اللوحات فقد تباروا في إبراز براعتهم على لوحات كانت تثير الاهتمام خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين والعقود الأولى من القرن الخامس الميلادي وتدل العديد من هذه التبليطات على تواصل في القيمة الفنية لهذه الآثار نذكر منها على وجه الخصوص فسيفساء باطن زمور (قرب قفصة) التي تمثل عرضا كاملا لمشهد من الألعاب الرياضية ومباريات الملاكمة وزعت فيها جوائز على الفائزين، وتدل كلها على التعلق المحلي بتنظيم مباريات ألعاب القوى والمصارعة اليونانية في حين أنها تدهور في بقية أجزاء الإمبراطورية. ويجدر التأكيد على مدى ثروة الإنتاج بقرطاج وبالورشات التي كانت تنشط في محيطها ونذكر منها لوحة لسباق الخيل ترافقها مشاهد تدل على أسماء المنتصرين و أخرى من مشاهد لصيد الخنزير و صيد الحيوانات المفترسة و مشاهد من ولائم الطعام وأخرى من تتويج فينوس تدل كلها على ما بلغته الورشات القرطاجية من تفوق فني، كما نذكر لوحة أوليس وسيرانة وسقاة الخمر والعمالقة (ققالف) من دقة والودود القاطفة للعنب ومشاهد من حيوانات الملاعب المدرجة وتتويج فينوس من توبوربو مايوس وغيرها من التبليطات التي تدل على ما بلغته هذه الصناعة من تفوق ونضج بكافة الورشات التي عبرت عن تأثير المدرسة القرطاجية فيها.
ولم يكن القرن الرابع عهد تقهقر بل تميز بإنتاج ثري ومتنوع كما تشير إلى ذلك فسيفساء دار النومفات في نيابوليس (نابل) التي تعطي فكرة عن التعلق بالأساطير والملاحم بتمثيل أساطير بليروفون وبيجسوس أو وفد اليونانيين لدى فيلوكتات وخاصة وفد أجاممنون التي تعتبر من بين أهم الروائع الأثرية. وهذا البرنامج كما يبدو من خلال اللوحات ينم عن شخصية الموصي برسم الأثر وقد يكون بدون شك مثقفا متميزا يعمد إلى اجتناب المسالك المعهودة بالعودة إلى الثقافة الكلاسيكية الحقيقية.
كما عبر أحد أثرياء أميدرا (حيدرة) عن أصالة تصوره برسم موضوع فينوس بصورة غير معهودة فاجتنب النماذج العادية التي تتصل بالولادة أو بترتيب الزينة وبتتويج الآلهة فعمد إلى رسم صورة من مدن وجزر متوسطية كانت تعتبر ملجأ لأماكن مقدسة ومراكز مشهورة لعبادة الآلهة وتبدو المعالم المرسومة على اللوحة مستوحات من تصورات محلية لمساكن ريفية وبيوت شيدت على شاطئ البحر.
وقد تواصل فنانو الفسيفساء في القرن الخامس الميلادي على نفس الوتيرة بتنفيذ مآثر مرموقة متميزة فلا نلاحظ في اللوحات أي أثر لقطيعة في الإنتاج في العهد الوندالي فتواصل الإنتاج معبرا عن عظمة الأرستقراطية الحاكمة بإبراز ما كانت تحتويه من ثراء في مظاهر الحياة اليومية العادية.
ويبدو أن هذه الحظوة قد بلغت ذروتها خلال العهود القديمة المتأخرة فتركت لنا بالخصوص جملة من اللوحات المستديرة في مسكن فخم من مدينة طبرقة يعطي ارشادات عن الضيعات وما كان يقام بها من مساكن فاخرة. لكن الوثيقة التي تبقى أكثر جدارة بالاهتمام تتمثل في فسيفساء السيد يوليوس بقرطاج التي توفر لنا حصيلة عن التقاليد الأيقونية الخاصة بالحياة بالضيعات الزراعية وهس تدل على العديد من الأنشطة الريفية مثل زراعة النباتات الموسمية وزراعة العنب والصيد وتقدم لنا رب البيت وزوجته وهما يقومان بأنشطتهما حول قصر فخم شيد بالمزرعة وتتصل اللوحة على مستوى الأسلوب في بعض خطوطه بالعصر القديم المتأخر كما أنها تتصل في بعض الخطوط الأخرى بالتقاليد الكلاسيكية.
وكذلك تبدو لنا نفس الملاحظة أيضا بالنسبة إلى لوحات أخرى تصور لنا سادة القوم. كما نجد ذلك في لوحة حمامات صغيرة في سيدي غريب قرب مدينة تونس حيث نشاهد السيد وقد خرج للصيد والسيدة وهي مهتمة بترتيب زينتها وما تحمل من الحلي والمجوهرات الأنيقة تهينها على ذلك بعض وصيفاتها. كما حفظت لنا لوحة أخرى مشهدا مؤثرا من صورة لزواج نبتونوس بعشيقته أميموني ولوحة أخرى بها جوار يصببن الورد بموردة.
وفي نفس الوقت أي بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين يبدو أن ميزة جديدة برزت لتثري الميزتين المعروفتين إلى حد ذلك التاريخ وهي ميزة بيزاسينا ونعني بذلك إنتاج المناطق الداخلية وقد أظهرتها اكتشافات حديثة بمناطق قفصة ومنطقة القصرين وسبيطلة وحيدرة وسيدي علي بن عون وهنشير الريش وسيدي بوزيد والقيروان ويبدو هذا الإنتاج هاما بقدر ما كان أصيلا اعتبارا لثراء المواضيع المتنوعة بما في ذلك صيد الحيوانات الضارية وسباق العربات والألعاب الرياضية والمواضيع الميثولوجية التي يبدو رجوع الاهتمام بها في هذه العهود المتأخرة مثيرا للإعجاب والاستغراب.
ومهما يكن من أمر فإنه يمكن القول أن الفسيفساء عرف بتونس مسلكا منقطع النظير إذ أشع إشعاعا ملحوظا على مدى عهود طويلة من العصور القديمة فأشع على روما وانتشر أسلوبه بين العديد من المدارس الجهوية مما جعل بيكار يقول عند حديثه عن هذا الإشعاع: “إن المدرسة الإفريقية قد أعانت كثيرا على ترويج هذا الفن ذي الأصل النفعي أساسا وهكذا فبعد ما كان الأفارقة تلاميذ عنيدين سريعا ما فرضوا أنفسهم كأساتذة مهرة فرأيناهم منذ أواخر القرن الرابع يفرضون فنهم، لا فقط بصقلية حيث أنجزت ورشة قرطاجية في العشرية الثانية من القرن الرابع مجموعة من اللوحات ببياتزا ارمرينا بل وصلوا إلى أبواب روما بأستيا ثم انتشروا بعد ذلك بعيدا في عمق بلاد الغال وبجرمانيا وخاصة بربوع الشرق حيث أسهموا في بعث الفسيفساء البيزنطية”.

لا تعليقات

اترك تعليق