ميديا بلوس-تونس-تحت عنوان “اللّيلة السّادسة عشرة: سمر حول القدر”، كتب الأستاذ البشير العباسي يقول:

1/ في البدء. إنّ الكلام في القدر يوشك أن يوقع النّاقد للتّراث الكلامي في شدائد وأنكاد.ذلك أنّ التّراث الكلامي يعدّ من أركان الإيمان[العقديّة].وحجّتهم في ذلك الحديث المشهور بحديث جبريل، أو حديث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. هذاالحديث يكتسب قوّة من سنده إذ شهده عدد كبير من كبار الصّحابة،فقد ورد في الخبر: “بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثّياب ولا يظهر عليه أثر التّعب من السّفر،ولا يعرفه منّا أحد.فأسند ركبتيه إلى ركبتي الرّسول ووضع يديه على فخذيه، وقال”يامحمّد… أخبرني عن الإيمانقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه.قال صدقت…” رواه الإمام مسلم. فهذا الحديث بلفظه لم يذكر”القضاء”. ولكن مع ذلك نجد النّاس يجمعون بين المصطلحين: “القضاء والقدر”. بل نلحظ تأخيرالقدر، وتصدّر “القضاء” فصارالمعدوم أظهرمن المنطوق به. وذهب الاعتقاد أنّ الإيمان بالكلام في القدر هو الرّكن السّادس للعقيدة الإسلاميّة. ولم نميّز بين الإيمان بـ”القدر”. بمعنى إحكام الله المقادير. فالله خلق كلّ شيء بقدر. أي بمقادير دقيقة مضبوطة لا تخلّ. لا بـ”زيادة” ولا بـ”نقصان”كما قال تعالى: “ألم نخلقكم من ماء مهين 20. فجعلناه في قرار مكين21. إلى قدر مّعلوم 22. فقدّرنا فنعم القادرون” المرسلات23. فهذه فواصل آية تكشف تكوين الإنسان. ولكن انزاحت عن بيان إحكام تقادير الزّمن والقرار والتّكوين والتّخلّق من الماء إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى كساء اللّحم ثمّ نفخ الرّوح فالولادة. إلى جدال القدر عند المتكلّمين. وهذا مدعاة إلى نقد تراثنا الكلامي. ثمّ انظر قوله تعالى: “ففتحنا أبواب السّماء بماء منهمر11. وفجّرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر” القمر13. فهذه آية تذكّر بالطّوفان وقدرة الله وكيف فاضت الأرض وتفجّر الماء، وتنزّل من السّماء فالتقيا على أمر أراده الله. وأنّه أحكم المقادير، كمّيّات، وكيفيّات، وأماكن وزمنا. وهو إظهار قدرته سبحانه، وحكمته . فما علاقة هذا الغرض بمبحث أفعال العباد؟ ونجد قوله تعالى: “الله يعلم ما تحمل كلّ أنثى وما تَغِيض الأرحام وما تَزْداد وكلّ شيء عنده بمقدار” الرّعد8. فهذه آية تكشف دقّة علم الله وضبطه المقادير والخصائص فكيف تحوّلت الآية من بيان قدرة الله إلى قدرة العباد وأفعالهم؟. هذا جدل ساد قرونا وأثمر فرقة وتنازعا. وورّث استبدادا وتكفيرا، وقتلا وصلبا للإنسان باسم نصرة السّلطان لله ولدينه. والحقّ من وراء كلّ هذا. إذ توسّلوا بالعقائد إلى سفك الدّماء. وما جاء الدّين إلاّ حماية للأبدان وتحريما لسفك دمك ودم غيرك.قال تعالى: “ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما”النّساء29. وقال: “ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيّاهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ ذلكم وصّاكم به لعلّكم تعقلون” الأنعام151. لقد تنازع النّاس السّلطان فافترقوا ونشأ استبداد وغرس أنيابه في عقل الأمّة وأنشب مخالبه فمزّقها كلّ ممزّق. ونُحِرَ المتكلِّمُ يوم النّحر.والنّاس شهود. وعلا السّياط فنهش ولسع أجسادا لأنّ المتكلّم أنكر القول بخلق القرآن. ومن الغريب القول بخلق القرآن وإنكار خلق الله الأفعال وهما من سراج واحد.

2/ ليلة السّمر يبدع أبو حيّان في محنة القدر. قال أبو حيّان: “ثمّ عدتّ وقتا آخر فقال: كنتَ حَكَيْتَ لي أنّ العامريّ صنّف كتابا عنونه (إنقاذ البشر من الجَبْرِ والقَدَر)، فكيف هذا الكتاب؟ قلتُ: هذا الكتابُ رأيتُهُ بِخطِّهِ عند صديقنا وتلميذه أبي القاسم الكاتب ولم أقرأه على العامريّ، لكن سمعت أبا حاتم الرّازي يقرؤه عليه، وهو كتاب نفيس، وطريقة الرّجل قويّةٌ، ولكنّه ما أنقذ البشر من الجبر والقدر، لأنّ الجبر والقدر اقتسما جميع الباحثين عنهما والنّاظرين فيهما. قال: لِمَ قيل الجبر والقدر ولم يُقَل الإجبار. فكان الجواب: أنّ الإجبار لغة قوم،والجبر لغة تميم،يقال جَبَرَ اللهُ الخَلْقَ وأجبر الخلق، وجبر بمعنى جبل، واللّام تعاقب الرّاء كثيرا. قال: فتكلّم في هذا الباب بشيء يكون غيرَ ما قاله العامريّ، وانقد له إن كان الحقّ فيما ذهب إليه ودلّ عليه. فكان من الجواب: أنّ من لَحَظَ الحوادثَ والكوائن والصّوادر والأواتيَ من معدن الإلهيّات أقرَّ الجَبْرَ وعرّى نفسَهُ من العقل والاختيار والتّصرّف والتّصريف، لأنّ هذه وإن كانت ناشئة من ناحية البشر، فإن منشأها الأوّل إنّما هومن الدّواعي والبواعث والصّوارف والموانع التّي تنسب إلى الله الحقّ، فهذا هذا. فأمّا من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية المباشرين الكاسبين الفاعلين المُحْدِثِين اللّائمِين المَلُومِين المُكَلَّفِين، فإنّه يُعَلِّقَهَا بهم ويُلْصِقها بِرِقابهم، ويرى أنّ أحدا ما أُتِيَ إلاّ من قِبَلِ نفسه وبسوءِ اختياره وبشدّة تقصيره وإيثار شقائه، والملحوظان صحيحان واللّاحظان مصيبان، لكنّ الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف، لأنّه ليس لكلّ أحد الوصولُ إلى هذه الغاية، ولا لكلّ إنسان اطّلاع إلى هذه النّهاية. فلمّا وقعت البينونة بين النَّاظِرَيْنِ بالطّبع والنّسبة لم يرتفع القال والقيل من ناحية القول والصّفة، فهذا هذا. قال -أطال الله بقاءَه- فما الفرق بين القضاء والقدَر؟ فكان من الجواب: أنّ أبا سليمان قال: إنّ القضاء مصدرُه من العِلْم السّابق، والقَدَر مَوْرِدُهُ الأجزاء الحادثة. قال:لِمَ وَرَدَ في الأثر؟:” لا تخوضوا في القَدَرفإنّهُ سرُّ الله الأكبر”. فكان من الجواب:أنّ أبا سليمان قال لنا في هذه الأيّام. إنّ النّاموس ينطق بماهواستصلاح عامّ ليكون النّفع به شائعا في سكون النّفس وطيب القلب و رَوْحِ الصُّدُور. فإن كان هذا هكذا فقد وَضَحَ أنّ حِكْمَةَ هذا السرِّ طَيُّهُ، لأنّ عجز النّاظرين يُفْضِي بهم إلى الحَيْرَة، والحيرة مَضَلَّةٌ، والمضلّة هَلَكَةٌ.وإذا كانت الرّاحة في الجَهْل بالشّيء، كان التّعب في العلم بالشّيء، وكم عِلْمٍ لو بدا لنا لكان فيه شقاءُ عيشنا، وكم جهل لو ارتفع منّا لكان فيه هلاكنا، والعلم والجهل مقسومان بيننا ومفضوضان علينا على قدر احتمال كلِّ واحد منّا للّذي سبق إليه وعَلِق به، ألا ترى أنّ علمنا لو أحاط بموتنا متى يكون؟ وعلى أيّ حال تحدثُ العلّةُ أو المِحْنَةُ أو البلاء؟ لكان ذلك مفسدةً لنا، ومحنةً شديدةً علينا. فانظر كيف زَوَى الله الحكيمُ هذا العلمَ عنّا، وجعل الخِيَرَةَ فيه لنا. ألا ترى أيضا أنّ جهلنا لو غلب علينا في جميع أمورنا لكان فسادُ ذلك في عِظَمِ الفساد الأوّل، والبلاء منه في معرض البلاء المُتَقَدِّم، فمَن هذا الّذي أشرف على هذا الغَيْبِ المكنون والسرّ المخزون فيغفُلَ عن الشّكر الخالص، والاستسلام الحسن، والبراءةِ من كلّ حَوْلٍ و قُوَّة. فالاستمداد ممّن له الخلق والأمر، أعني الإبداء والتّكليف، والإظهار والتّشريف، والتّقدير والتّصريف. قال: هذا فنّ حسن، وأظنّك لوتصدّيت للقصص والكلام على الجميع لكان لك حظٌّ وافرٌ من السّامعين العاملين، والخاضعين والمحافظين. فكان من الجواب: أنّ التّصدّي للعامّة خُلُوقَةٌ، وطلب الرّفعة بينهم ضِعَةٌ، والتّشبُّهَ بهم نقيصة، وما تعرّض لهم أحدٌ إلاّ أعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ولُوثَته ونِفَاقه وريائه أكثر ممّا يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم وبَذْلِهِم. وليس يقف على القاصّ إلاّ أحد ثلاثة. إمّا رجلٌ أبلهٌ، فهو لا يدري ما يخرج من أمّ دماغه. وإمّا رجلٌ عاقلٌ فهو يزدريه لتعرّضه لجهل الجهّال، وإمّا له نسبة إلى الخاصّة من وجه، وإلى العامّة من وجه، فهو يتذبذب عليه مِنَ الإنكار الجالب للهجر، والاعتراف الجالب للوصل، فالقاصّ حينئذ ينظرإلى تفريغ الزّمان لمداراة هذه الطّوائف، وحينئذ ينسلخ من مهمّاته النّفسيّة، ولَذَّاته العقليّة، وينقطع عن الازدياد من الحِكْمَة بمجالسة أهل الحكمة، إمّا مقتبسا منهم، وإمّا قابِسا لهم، وعلى ذلك فما رأيت مَنْ انتصب للنّاس قد ملك إلاّ درهما وإلاّ دينارا أو ثوبا، ومُنَاصَبَةً شديدةً لمماثليه وعُداتِه. قال: إنّ اللّيل قد دنا من فجره، هات مُلْحَةَ الوداع. فقلت: قال يعقوب صاحب (إصلاح المنطق): دخل أعرابيّ الحمّام فزلق فانشجّ،فأنشأ يقول: وقالوا تطهَّرْ إنّه يوم جمعة *** فرُحْتُ من الحمّام غيرَ مُطَهَّر. تَرَدَّيْتُ منه شاربا شَجَّ مَفْرِقي *** بِفَلْسَيْن إنّي بِئسَ ما كان مَتجَرِي. وما يُحْسِنُ الأعرابُ في السُّوقِ مِشْيَةً ***فكيف بِبَيْتٍ من رَخامٍ و مَرْمَرِ. يقول لي الأنباطُ إذ أنا نازل *** “به لا ظَيٍّ بالصَّريمة أَعْفَرِ”. وقال -حرس الله نفسه– حاطك الله – عند بلوغي هذا الفصل أن أختم الجزء الأوّل بما أنتهى إليه، وأشفعه بالجزء الثّاني على سياج ما سلف نظمه ونثره،غيرَ عائج على ترتيبٍ يحفظ صُورَة التّصنيف على العادة الجارية لأهله، وعذري في هذا واضح لمن طلبه،لأنّ الحديث كان يجري على عواهنه بحسب السّانح والدّاعي. وهذا الفنّ لا ينتظم أبدا، لأنّ الإنسان لا يملك ما هو به وفيه، وإنّما يملك ما هو له وإليه. وهذا فصل يَحْتاج إلى نَفَسٍ مَديد، ورأي يصدرعن تأييد وتسديد، والسّلام، والحمد لله وحده، وصلواتُه على سيّدنا محمّد النّبيّ وآله الطّاهرين وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين،والحمد لله ربّ العالمين./. الإمتاع والمؤانسة.ج.1.ص222..226. المكتبة العصريّة – بيروت – صيدا. ************************************************************************ التّحليل. 1/ ملاحظات الشّكل. إنّ القارئ برويّة ينتبه إلى خلو النصّ من الاستدلال القرآني والحديث النّبوي.وهذا يوجب الالتفات إليه.لأنّه يرد عن أديب رضع من نهدي الشّريعة،أي،القرآن والحديث.واعتصم بنظر العقل والتّفكّروالتّدبّروالملاحظات.فكانت مزيّة أبي حيّان باكورةً.إذ أوصد باب تنازع القرآن واختلاق الحديث استنصارا للمذهب،ودحضا لمذاهب المخالفين. *لقد متّن قداسة القرآن الكريم ولم ينزل به إلى تنازع المذاهب.حتّى لكأنّ القرآن ينطق بالشّيء وضدّه. وحاشا العليم الحكيم.وحاشا المبلّغ عن ربّ العالمين للمرسل رحمة للنّاس. *عصم نفسه عن الاستدلال بالحديث، فزكّى الصّادق الأمين. الذي نهى عن الخوض في قضيّة اختصّ الله بها نفسه سبحانه،في الأزل.وبشّر عباده أنّه العدل. فحمّل المكلَّفين جزاء أعمالهم، خيرا وشرّا، فقال”فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره7. ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره” الزّلزلة.8. وطمأن عباده بأنّه ليس بظلاّم للعبيد. فقال: “من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربّك بظلاّم للعبيد” فصّلت46. بل وعمّم عدله. فقال:”وَ وُضِعَ الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربّك أحدا” الكهف.49. إنّ أبا حيّان أعاد لقارئه الثّقة بربّه وعدله ورحمته. وردّه إلى وعييه بذاته والكون من حوله. وإنّ المربّين الجادّين لفي أمسّ الحاجة إلى مثل هذا النّهج. وإنّ البرامج التّربويّة التّونسيّة لبداية الألفيّة الثّالثة لعاملة في هذا الاتّجاه. وهذه الغاية. فليلتفت مدرّسونا إلى هذه القبلة.

2/ الاستهلال. نلاحظ استهلال أبي حيّان بإلمام بالمكتوب في المسألة. وكتاب العامريّ “إنقاذ البشرمن الجبر والقدر” لم ينقذ البشر من الجبر والقدر.وعلّل بأنّ الجبر والقدراقتسما الباحثين والنّاظرين. فكأنّه نبّه بعقم المنهج “ولكنّه ما أنقذ البشر من الجبر والقدر” إذا العقم في المنهج والطّريقة. ونلحظ فطنة الوزيرالّذي كلّفه بالفصل. فالسّياسيّ يشير على المثقّف أو المفكّر.

3/ تدقيق وتمييز. نلحظ تقسيما دقيقا أتاه أبوحيّان. وفصل بين محاور نظره وتدقيقه بعبارة لطيفة: “فهذا هذا”. نجذ ذلك في نهاية كلّ عنصر. أو مسألة النّظر.

أ/ الجبر والإجبار؟ استعرض أبوحيّان لغة العرب. بين قوم وبين تميم. أمّا لغة تميم فـ”الجبر” بمعنى جبل. وأمّا أجبر فلغة قوم. وسكت ، وما أفصح. ولكن يبدو أنّ تنكير”قوم” فيه إيحاء. بأنّه لم يبق قرشيّا فصيحا، ولا غالبُ لسانِ العرب، ولكنّه ساد. وسوّى في الدّلالة بأنّ جبر الخلق وأجبرالخلق بمعنى واحد. جبل. أي خلقهم كذلك. فالجبر جبلّة. والحريّة إرادتك واختيارك. إنّ الوزيريرسم الغاية والانتظارات. فهو موجِّه ومرشِدٌ ومكوِّنٌ. أمره بالكلام بجديد مُبْدَعٍ. وأرشده أن “ينقد له”. فالنّقد ليس الانتقاد. بل يقرّ الصّحيح ويثمّنه، أوّلا. ينبّه على السّقيم ، فيعرّي علّته وسقمه، ثمّ يضيف ويجاوز. “المفتاح”هو المنهج والطّريقة. فلا تقيّم ما قيل. ولكنْ قوّم الطّريقة والمنهج.ثَمَّةُ سؤال يحرّك التّفكير: هل يحدث حادث، أويكون كائن، وتصرف صوارف، تنسخ وتنقضي، أو تأتي الأواتي، دون الفاعل الحقّ، وهو الله.؟ من عظّم الله وردّ كلّ شيء إليه. أقرّ الجبر. لكن انظر شدّة نقده وتجريحه لمن عزل نفسه. مَن أقرّ الجبر: “عرّى نفسه من العقل والاختيار والتّصرّف والتّصريف”. فالعراء ارتداد إلى غابر التّاريخ. وأمّا “العقل” فهو كساء وستار. فهو وعي، وهو تأسيس وهو بناء، وهو حضارة. فعل. فالعقل باعث على التّصرّف والتّصريف، أي الفعل والامتناع. فالإنسان مجبول على الضدّين، قادر على الاختيار، فاعل بإرادته.

[الخلاصة الدّواعي، البواعث، الصّوارف، الموانع] تنسب إلى الله. لأنّها جبليّة خلقيّة تكوينيّة. وأمّا تعقّلها واختيار أحد الضدّين، فهو إرادتك وقدرتك وتدبيرك. فأنت مسؤول. لأنّك مختار. ففصل أبو حيّان بين جبر الخِلقة والتّكوين، وحريّة الفعل والاختيار للتّرك. فهذا هذا.

ب/ الاختيار… حريّة.إإإ :” وأمّا مَنْ نظرإلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية المُباشِرِين الكَسِبِينَ الفَاعِلِينَ المُحْدِثِينَ اللّائِمين المَلومِينَ المُتَكَلِّفِينَ. فإنّه يعلّقها بهم ويُلْصِقُها برقابهم”. هذا قول فصل في إثبات الحريّة والاختيار، وتحميل المسؤوليّة، وترتيب الثّواب والعقاب. نلحظ التّبويب والتّعليل. فالموقف الثّاني له مبرّراته. وهو النّظر والتّدبّر والتّبصّر. العقل. ثمّ انتبه إلى تضمين الاختيار والمسؤوليّة على أسّ الحريّة. فالأحداث تنسب للإنسان. فهو المحدثُ، إذن فهو المسؤول. وما يكون من أحداث فهي باختيار المختارين. وإرادة المريدين. فهم المباشرون الكاسبون الفاعلون المُحدِثُون. نلاحظ استرسالا وتخليلا. أمّا الاسترسال فتوالي اصطلاحات المعتزلة القائلين بخلق العباد أفعالهم. [المحدِثُ، ما تكوّن، الاختيار، ما أراده، المباشر] فهذه خمسة مصطلحات للمعتزلة. قطع استرسالها وتواليها بخمسة بعدها [الفاعلين، المحدثين، اللّائمين، الملومين، المتكلّفين]. فآلت إلى عشرة كاملة. فصل بين خمسة وخمسة بدرّة أشعريّة [الكاسبين]. ولعلّ الإخفاء لا يخفى عن النّاقد، فالأشعريّة لا تنكر استخدام هذه الاصطلاحات الخمسة الأخيرة. فآلت ستّة. فهل يكون أبو حيّان حكما فردا، كما مصطلح الكسب؟ أم أنّ أبا حيّان وازن خمسة بخمسة؟ وزاد الكسب واحدة أخرى انتصارا ومداراة للوزير؟ فالفترة فترة انحسار الاعتزال وسيادة الأشعريّة. فيكون أبو حيّان وازن وانتصر لحاكمه؟وإنّه ليفصح عن تحميل المكلّفين الفاعلين المكتسبين… إلخ. أوزارهم. فأفصح قائلا: “فإنّه علّقها بهم ويلصقها برقابهم، ويرى أنّ أحدا ما أتي إلاّ من قبل نفسه وسوء اختياره وشدّة تقصيره وإيثار شقائه”. نلاحظ مأساة الإنسان في خطاب الكلام في القدر، فالباحث لا يكترث ولا يلتفت ولا يدغدغه إسعاد الإنسان بل يصبّ عليه العذاب صبّا. [علّقها برقابهم… ما أوتي إلاّ من قبل نفسه]. ثمّ انظر سوء تقديره [إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء]. فكأنّي به تقمّص صورة امرأة العزيز إذ قالت: “وما أبرّئ نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء” يوسف53. وهي عود بالذّاكرة إلى إقرار امرأة العزيز إذ قالت: “الآن حصحص الحقّ أنا راودتّه عن نفسه” يوسف51. وغوص في التّاريخ الآدمي: “فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين” المائدة30. وقول يعقوب عليه السّلام : “… قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل” يوسف18. ثمّ انظر التّشديد، والمبالغة، [بشدّة تقصيره، وإيثاره شقائه]. فهذا الإنسان متّهم سلفا. ولم يكن المتكلّمون إلاّ مبرّئين للقهر الّذي يرد من خارج. كما انتبه ونبّه ابن رشد في كشف الأسباب. إنّ الاستبداد يرى العباد مجرمين، مخالفين، مقصّرين. فيعاقبهم ويؤاخذهم. وليس الله إلاّ في صورة الإنسان المستبدّ القاهر. والإنسان شيطان مريد. فكان الكلام تنزيها لله وتذنيبا للإنسان. ثمّ انظر كيف سكتوا عن جِدِّهِ وحَذَرِهِ وبِرِّهِ وتقواه وَوَرَعِه… إلخ. فتلك جبلّة ولا فضل له فيها. وتناسوا قوله تعالى: “ونفس وما سوّاها.7 فألهمها فجورها وتقوها. 8 قد أفلح من زكّاها.9 وقد خاب من دسّاها” الشّمس.10. هذا التّوازن مهجور في علم الكلام. فالمعتزلة ضحّوا بالإنسان دفاعا عن عدل الله. وما كان الله في حاجة إليهم. بل كان عليهم الالتفات إلى أسباب الخير والشرّ المتوازنين في الكون. ويلتفتوا للحريّة فيسعون خيرا، وإن قَهَرَهُم شَرٌّ كَرِهُوه، فليضاعفوا معارفهم ويعدّلوا تجاربهم في الكون المبسوط. فإنّهم لمهتدون.

ج/ العجز والتّقصير… سببا الاضطراب. التفتْ إلى التّنبيه والتّعليق، فإنّه ألمع إلى أمور ثلاثة: أوّلها تثمين رأي أبي حيّان. لأنّ ما رسم به كان سابقا عصره. فما ألمع إليه سينتهي إليه الفيلسوف ابن رشد. حين فصل المقال في الجبر والاختيار، ونقل البحث من النّصوص، آيات وأحاديث، إلى الطّبيعة والتّكوين. فالنّفس والجسد ثمّ العقل في ناحية الإنسان. فهذا هذا. ثمّ الشّطر الثّاني الطّبيعة الكونيّة بين الأرض والسّماء وما فيهما. فالإنسان مكتسب بما فيه وما هو مبثوث مسخّر له. وهو مجبر في ما خرج عن قدرته وعقله واحتياله. إلى هذا غمز أبو حيّان بالقول: “لأنّه ليس لكلّ أحد الوصول إلى هذه الغاية، ولا لكلّ إنسان اطّلاع إلى هذه النّهاية”. فالوصول يقتضي حركة ومجاهدة وعزيمة وفعلا، ولكن يحتاج أيضا “اطّلاعا إلى هذه النّهاية” أي عزيمة وشوقا. فكأنّي بالوصول حركة أرضيّة والاطّلاع شوق جبليّ فُطِرَ الإنسان عليه. فإذا تعاضد العزم والفعل والحركة، والشّوق الممكن، يَنَالُ المُرادَ. ثمّ تأمّل قوله”لكنّ الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف”. إنّ الكلام والوصف ليسا فعلا بل هما ترشيدا لأفعال. فأين العزيمة والتّجريب والكدح؟ قال أبوحيّان: “فلمّا وقعت البينونةُ بين النّاظِرَيْنِ بالطّبع والنّسبة لم يرتفع القال والقيل من ناحية القول والصّفة، فهذا هذا”. لعلّ النّاظر ينتبه إلى التّفرقة والتطّليق بين الموقفين. فالنّاظر في الطّبيعة والكينونة وبين النّاسبين إلى الله الخالق، كلّ شيء، يلحظ تباين المواقف والقضاء فيها. فالله خالق كلّ شيء صدقا، وبلا نزاع . ولكنّه سبحانه سنّ قوانين وسننا، من بحث فيها انتهى إلى الحكمة منها. وكُلِّفَ بالفعل وفقها، والانضباط لها إقداما وإحجاما، أخذا بها وتركا لها. ومن جهل أسرارها خَبَطَ خَبْطَ عشواء، واضطرب. فخلد إلى عجزه وجهله. وردّ الأمر لله. ردّ جاهل غيرِ عالم.

4/ الفرق بين القضاء والقدر.

أ/ المنطقيّ يُسْتَحْضَرُ. سأل الوزيرُ (أبوعبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان وزير صمصام الدّولة البويهي تولّى الوزارة سنة 373هج. وقتله سنة 375هج/ الإمتاع ص4.رمز لها بحرف-و-). أبا حيّان: “فما الفرق بين القضاء والقدر؟ فكان من الجواب: أنّ أبا سليمان قال: إنّ القضاء مصدره من العِلْمِ السّابق، والقدر مَوْرِدُه بالأجزاء الحادثة. ص224. أبو سلميمان السّجستاني المكنّى بـ(المنطقي) توفيّ 371هج. وتأثّر به أبو حيّان. وقد مدّنا بحدّ فاصل بين بحرين، فلا يبغيان، القضاء علم الله السّابق، فهذا لا يُخَلُّ. “وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين172. أوتقولوا إنّما أشرك أباؤنا من قبل وكنّا ذريّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المُبْطِلُون” الأعراف.173. وأوضحها (أي الأحاديث في الآية) ما روى مالك في الموطّأ في ترجمة “النّهي عن القول بالقدر”بسنده إلى عمر بن الخطّاب قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُسْأَلُ عن هذه الآية “وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريّاتهم” فقال إنّ الله تعالى خلق آدم ثمّ مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريّة فقال خلقت هؤلاء للجنّة وبعمل أهل الجنّة يعملون ثمّ مسح ظهره فاستخرج منه ذريّة فقال خلقت هؤلاء للنّار وبعمل أهل النّار يعملون. فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل، قال فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ الله إذا خلق العبد للجنّة استعمله بعمل أهل الجنّة حتّى يموت على عمل من أعمال أهل الجنّة فيدخله ربّه الجنّة. وإذا خلق العبد للنّار استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل أهل النّار فيدخله ربّه النّار. وحدّثني عن مالك أنّه بلغه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما كتاب الله وسنّة نبيّه”ج1.ص690 “. التّحرير والتّنوير. ج9. ص167. (تنبيه في الصّفحة اضطراب طباعة. فاستخرجت الحديث بواسطة الحاسوب)./. هذا الحديث يشدّد الخناق ويربك لولا الثّقة بعدل الله. وانبلاج هدي رسول الله الّذي بنورهديه نهتدي. “التّمسّك بكتاب الله وسنّة نبيّه” فالأمر إذا عائد لنا ونحن المسؤولون عن التّفريط فيهما.

*ثمّ إنّ أبا سليمان ميّز القَدَرَفـ”مورده بالأجزاء الحادثة” أي أنّ القدررهين الأجزاء المخلوقة. فصار الجواب موصولا بالتّاريخي الكوني البشريّ. وهذا عين ما أومض به ابن رشد. ننبّه مرّة أخرى أنّ أبا حيّان يكدح نحو إخراج المسألة من عنق الزّجاجة، أي زجاجة النصّ. فالوحي نور الله إلى خلقه، ونوره: “كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزّجاجة كأنّها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للنّاس والله بكلّ شيء عليم”النّور35. ولكنّ المتكلّمين من قدريّة جبريّة جهميّة، ومعتزلة (القدريّة)، أو أشعريّة (قدريّة مستترة). فالكلّ زكّوا مذاهبهم، وما زكّوا عقيدة النّاس. وحالفوا السّلطان أو خاصموه، فالكلّ كان طالبَ دنيا بثوب قداسة. وكان يجب النّظر في الكون المسخّر والنّفس المسوّاة، ثمّ ينخرطوا في البحث في أنفسهم والكون معا، حتّى يتبيّنوا الحقّ. ولم يفصل إلاّ ابن رشد. إنّ أولّ اللّبنات نجدها عند المنطقيّ ثمّ الفيلسوف: أبي سليمان المنطقيّ والفيلسوف ابن رشد. ثمّ أردف الوزير سؤالا ثانيا: “لِمَ وَرَدَ في الأثر؟: “لا تخوضوا في القدر فإنّه سرّ الله الأكبر”. هذا أوّل حديث يرد في الحوار. ويهمّني النّظر فى غايته فهو تربويّ توجيهيّ تكوينيّ. وكان جواب حكمته “أنّه سرّ الله الأكبر”فلمّا خصّ الله نفسه به فكيف تخوّل لنا عقولنا وتسوّل لنا أنفسنا أن نسأل؟ ثمّ تابع الشّرح: “إنّ النّاموس ينطق بما هو استصلاح عامّ، ليكون النّفع به شائعا في سكون النّفس وطيب القلب ورَوْحِ الصّدور”فالله رعى استصلاح الخلق. فالعوامّ ليسوا مكلَّفين رحمة ولو لا هذا القصد، لتعبت العقول وما سكنت النّفوس ولا طابت القلوب ولا رُوِّحت الصّدور. انظر كيف ضرب الله مثلا قصّة موسى مع الخضر، عليهما السّلام، قال تعالى: “فانطلقا حتّى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكيّة بغير نفس لّقد جئت شيئا نّكرا” الكهف74. لقد نقض موسى عليه السّلام الشّرط، بل انظر بما وصف الغلام “نفسا زكيّة” توهّم الاستصلاح في الحدّ فقط. والله أعلم بمن خلق. فلمّا جاء الفراق نبّأه الخضر بما لم يسطع عليه صبرا. قال: “وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يُرْهِقَهُما طُغْيانا وكُفْرا 80. فأردنا أن يُبْدِلَهُما ربُّهُما خيرا منه زكاة وأقربَ رُحْمًا” الكهف81. لقد تولّى موسى عليه السّلام التّقييم بعقله وتجربته، أمّا الخضر عليه السّلام فقضى بإلهام الله تعالى. ما أتيه الخضررحمة اختصّ الله بها نفسه، وما قوّم به موسى عليه السّلام تجربة ومعرفة دنياويّة. فالمجالان مختلفان والقضاءان متباينان. وكلّ في مجاله ووسائله صحيح. والعقل يقنع بعد الاطّلاع. فلمّا طوى الله علينا القضاء والقدر، فلِمَ نُرهِقُ العقل والنّفس والقلب؟. أليس طيّ سرّه رحمة بخلقه فهذا هذا.

ب/ العبرة… أو بناء الموقف.

*إنّ الحكمة الربّانيّة أن تطوى علينا الغيبيّات. والأقدار، وما قضاه في اللّوح المحفوظ. ولو اطّلعنا على أقلّ أقلّه لما أدّينا مهمّة الاستخلاف، ولا كان منّا عمران ولا حضارة. فكان طيّ الغيب أنفعَ وأصلحَ لنا وأنجعَ للانخراط في وظيفة الاستخلاف.

*إنّ العمران يتطلّب راحة نفس وهمّة وإقداما، فكان الجهل بالقضاء والقدر حاملا، ودافعا، ومحفّزا، على الفعل والبذل والشّوق والأمل والتّخطيط والرّجاء. ذلك كدح الحضارة.

*إنّا نعلم أنّا ميّتون. فهذا قضاء مبتوت، ولكن متى وكيف وأين؟ فذلك سرّ خفيّ مكتوم، فكان جهلنا بالأجزاء دافعا ومحرّكا وحافزا على السّباق في مركض تنافس الأفراد والجماعة والدّول والأمم.

*إنّ الله جعل جهلنا بغدنا رحمة بنا، وحافزا لنا، فنكدح كدحا قصد ملاقاته راض عنّا سبحانه. وجعلنا علم الثّقات عونا لهم على طاعة ربّهم، فيطمعون في جنّته. فكان الجهل رحمة قصد التّعمير، وكان العلم استصلاحا لبلوغ المراد من الخلق “إنّما يخشى اللّهَ من عباده العلماءُ إنّ الله عزيز غفور” فاطر28… تأمّل العزّة لله وحده أوّلا،ثمّ المغفرة للخلق خاصّة نفسه سبحانه.

*ثمّ نبّه أبوحيّان بالخُلفِ(الضدّ) فقال: “ألا ترى أيضا أنّ جهلنا لوغلب علينا في جميع أمورنا لكان فسادُ ذلك في عِظَمِ الفساد الأوّل (أي فساد العلم بالشّيء)، والبلاء منه في معرض البلاء المتقدِّم، فمن هذا الّذي أشرف على هذا الغيب المكنون والسرّ المخزون فيغفُلَ عن الشّكر الخالص، والاستسلام الحسن، والبراءة من كلّ حَوْلٍ وقوّة.” الإمتاع والمؤانسة.ص224

 5/ الخاتمة. *إنّ أبا حيّان طوال اللّيلة لم يستدلّ بآية واحدة. فحفظ للقرآن الكريم قداسته ونظمه وإعجازه.

*لقد رسم منهجا جديدا دعا فيه العقلاء إلى عدم الخوض بما يحيّر النّاس.فهم بين عامّة وخاصّة. فالعامّة راحتها، وبذلها وفعلها الحضاري في هجرها الكلام فيما جهلوا. فهذا هذا. وأمّا الخاصّة فلها التّعلّم في هدوء الباثّ (أبوحيّان هنا) وراحة وانتباهة المتلقّي وأهليّته للكلام أعني الوزير، ابن سعدان. إلاّ أنّا نرى التّوجيه التّعليميّ التّربويّ التّكوينيّ مهجورا.فهل نَعِي؟

*إنّ المناهج التّربويّة استشرفت ودفعت نحو الغاية، بأن ننأى بالتّلميذ عن الخوض في حمّى المذاهب الكلاميّة، وأن نزحزح المبحث من القضاء والقدر، وتنازع المذاهب، والسّقوط في التّذكير بالتّكفير، فنرسم بالحريّة والمسؤوليّة. “أنا حرّ في كون الله المسخّر، عليّ واجب تعقّله واستثماره فيما ينفع النّاس. وأجتهد في منع الفساد. والله أعلم بما يريد.”

*إنّ التّأسيس للحريّة والمسؤوليّة، يفتح للتّجديد، ويفتح على الانخراط بوعي ومسؤوليّة في الكونيّة البنّاءة، ونقد العولمة الغازية النّاسفة للخصوصيّات، على أنّ النّقد يفيد من الإيجابيّات ويعدّل ويقترح بدائل إيجابيّة على أنقاض الهنات والكوارث التّي تحدثها العولمة السّائبة.

*إنّ مبحث الحريّة والمسؤوليّة كان ينشد التّجديد في قضايا العالم الحديث، ولكن العالم يحتاج تنظيرا وتكلّما في الإلهيّات والكونيّات. والكونيّات توجب تنظيما وترتيبا، فانبلج باب التّشريع المدني فهل يستقيم التّشريع المدنيّ في تغييب الرّوحي؟ وهل يمكن تملّك العالميّة في تسبيحة التّراث دون غربلة وتحيين؟ وهل تكون العالميّة والخصوصيّة في وهج لهيب جموح تأليه الإنسان وإقصاء الإله الحقّ، وتعطيل شريعة من أجل النّاس: عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها؟رحم الله أبا حيّان إنه رسم معالم الحريّة لإنقاذ الإنسان… أليس كذلك؟

لا تعليقات

اترك تعليق