ميديا بلوس-تونس-إن تقدم الشعوب والأمم لم يأت من باب الصدفة أو العشوائية، وإنما جاء مرهونا بإعداد مسبق وتجنّد قوى بشرية مفكرة ومبدعة لديها ما يكفي من المهارات والقيم والإمكانات والقدرة على المنافسة. فلا يستقيم حال الأمم وشعوبها إلا بالمراهنة على التعليم والاستثمار فيه، فعلينا أن ندرك بأن الثروة الحقيقة اليوم ليست فقط أبار النفط والصناعات والزراعات وغيرها، وإنما تكمن أيضا في عقل الإنسان وفكره ومكتسباته المعرفية. فلا يتحقق التغيير والبناء إلا بالمراهنة على التعليم و إصلاحه ودفعه نحوى الأفضل والخروج من أساليب تقليدية تتميز بالرتابة والتلقين رغم تطور كل الوسائل من حولنا بسرعة هائلة، وسعي بلدان أخرى في تغيير منظوماتها التربوية إلا أن تعليمنا ما زال على نفس النسق يكون عقولا غير ناقده ومقيدة فقط بالكتب المدرسية.
تعليم قائم على التلقين أو “التعليم البنكي” كما أطلق عليه المفكر البرازيلي التربوي باولو فريري في كتابه “تعليم المقهورين” وهو أسلوب تعليمي سائد اليوم تقريبا في كل البلدان العربية لا يحقق التفاعل بين المعلم والمتعلم. أسلوب تعليمي آلي وتكراري لا يبني عقولا ناقدة مفكرة ومبدعة وإنما عقول ببغاوات تردد فقط ما يُملى عليها. دون شك إن هذا الأسلوب أصبح سببا رئيسيا من أسباب التخلف التعليمي الذي تعاني منه مؤسساتنا التعليمية إذ يمكن أن يقدم لنا جيلا له ثقافة سطحية ومحدودة لا يعتمد على نمط التفكير الإبداعي وإنما تجعل تفكيره محصورا في إطار ضيق عاجزا عن التحليل والنقد.
المسؤول الأول عن الخور الذي ينخر المنظومة التربوية هي الدولة التي لا تستثمر ولا تهتم بالتعليم وبالمناهج التعليمية من حيث تطويرها او تغييرها اتباعا للتطور الحاصل ومواكبة لمتطلبات العصر وتحدياته ولعل بعض الأحزاب السياسية تتحمل كذلك جزءا من المسؤولية من خلال حشر انفها في إصلاح التعليم دون علم ودراية بالقطاع ومشاكله ونواقصه. وهذا نتجت عنه معضلة بيداغوجية تتجسّد في نمط بيداغوجي قائم على الكم وحشو الأدمغة عن طريق السرد و الإملاء.
وحتى الإصلاحات المزعومة زادت القطاع تأزما فهي مجرد ترميم مبنى متداعي للسقوط دون معالجة الحجر الأساس وما وصلنا إليه ليس من محض الصدفة و إنما هو إستراتيجية سياسية وإيديولوجية تم التخطيط لها مسبقا والعمل بها لانتزاع الخصوصية الثقافية وليس لأجل إصلاح أساليب التعليم وتحسين المستوى المعرفي للمتعلم
يظل التعليم الوسيلة الوحيدة القادرة على النهوض بالأمم والشعوب ويبقى الاهتمام بها رهين الإرادة السياسية لكل دولة ويبدو أن الدولة التونسية تدرك تماما أن الوقت قد حان للتغيير وأنه آن الأوان لتستمع إلى صرخات المربين المنادين بالإصطلاح الجذري لقطاع التعليم وتحسين المستوى المعرفي للمتعلمين.

لا تعليقات

اترك تعليق