ميديا بلوس-المغرب-تقول مخاطبتنا لا يمكن لك أن تزور مراكش دون أن تعلق بذهنك ساحة الفنا أو “جامع الفنا ” كما يسميها أهلها كأسطورة تكاد تشعرك أنك تعيش ليلة من ألف ليلة وليلة.

تجسّد هذه الساحة الثرات الشفاهي الإنساني من خلال روايات الحكواتيين والحلقات التي تقدم غرائب الحركات البهلوانية والفكاهية وألعاب السيرك والسحر ليل نهار وسط دهشة السياح الأجانب.
ويقف هذا التراث، الذي ليس له مثيل بالمغرب، على إسفلت تحيط به دكاكين وفنادق ومقاهي ودروب، معمارها تؤثثه حلقات الفرجة من الفقهاء ورواة الحديث والسيرة النبوية، والقصاصة والحكواتيين والمغنيين والراقصين والفلكيين والعرافين، والفكاهيين والواشمات ومخضبات الحناء وبنيت هذه الساحة، التي شكلت منذ زمن بعيد مركزا حيويا للتسوق والسياحة، في عهد الدولة المرابطية، خلال القرن الخامس الهجري، كنواة للتسوق، لكن أهميتها تزايدت بعد تشييد مسجد الكتبية بعد قرابة قرن كامل. واستغل الملوك والسلاطين، في ذلك الوقت، هذا الفضاء التاريخي كفناء كبير لاستعراض جيوشهم والوقوف على استعدادات قواتهم قبيل الانطلاق لمعارك توحيد المدن والبلاد المجاورة وحروب الاستقلال. غير أنه بعد هذه الحقبة، بدأت تكشف الساحة عن نصف وجهها الآخر الذي يجمع بين التنوع والاعتزاز بالماضي الذاتي المكتوب بماء الذهب على يد ملوك وأصفياء ومتصوفة عجنوا ترابها بحبر الكلمات.
فالفرجة تنطلق بجامع الفنا، التي لا تنام، في الساعات الأولى من صباح كل يوم بحلقات الحكواتيين والقصاصة، الذين يغتنمون أجواء الهدوء، قبل أن يرخي الليل سدوله، إيذانا بخروج زوار المدينة لتذوق نسمات الريح المسائي البارد والتمتع بالعروض العائلية التي تلتف حولها جماهير غفيرة من السياح والأجانب الذي يستمتعون بالفرجة والتلذذ بجمال الفنون الشعبية المغربية. فالبهلوانيون يستعرضون ما راق لهم من كفاءات في القفز الجماعي بعرض ارتجالي يشد انتباه ونفس المشاهدين، معتمدين على سلاسة ومرونة أجساد أفرادهم للتحرك السريع، وإنشاء أهرام بشرية في السماء حافي الأقدام مرتدين ذلك الزي التقليدي المزركش باللونين الأحمر والأخضر. أما مدربو الأفاعي والثعابين فيبهرون الجمهور بجعل هذه الثعابين المدجنة ترقص أمام أنظارهم. البعض من الزائرين يشتري هذه الثعابين، فيما آخرون يتعقبونها ويصطادونها.
ويجود رواد الحلقات من المواطنين والسياح ببعض الدراهم لفائدة رجل الحلقة قرداتيا أو بهلوانيا أو مطربا أو مروض الأفاعي فليس لهؤلاء أجر غير ما تجود به أيدي المتفرجين. وتحيط بالساحة أسواق شعبية تاريخية حافلة بمختلف البضائع من الصناعات التقليدية المغربية، كالمنحوتات والمنتوجات الجلدية واللباس التقليدي من القفطان والجلباب والزرابي وغيرها.
وبإمكان الزائر أن يتسوق في محيط الساحة ويأخذ حاجاته من الفواكه ويبلل ريقه بكؤوس عصير الليمون البارد الذي يعرض في عربات على امتداد محيط الساحة.وفي قلب هذه الساحة العامة، يقف بائعو الماء سعيا لانتباه السائحين، أما الزخرفة والوشم بالحناء فتتمكن من استهواء العديد من المغاربة والأجانب.
وتستقطب هذه الساحة، التي أعلنتها اليونيسكو موقعا حضاريا في عام 2001، سنويا ملايين الزوار، ويعتبر من روادها مشاهير الفن العالمي من السينمائيين والمغنيين والرسامين والمصورين، كما ولع بها سياسيون ومثقفون ومفكرون ورؤساء دول.

لا تعليقات

اترك تعليق