ظلم تقرير «الظلم في العالم العربي» وحجب العدالة…| هيفاء زنكنة.

0
28

ميديا بلوس-تونس-لم يكن حدثا عاديا. كان تقرير الأمم المتحدة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) المعنون «الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل» قد نُشر في كانون أول/ديسمبر 2016 على موقع المنظمة، وكانت الأسكوا تعد العدة لإطلاقه، إلا أن الأمانة العامة للأمم المتحدة قامت بحجبه بعد يوم واحد من نشره.
لماذا؟ ما الذي دفع الأمين العام الجديد إلى الموافقة على حجب تقرير كتبته لجنة مكونة من أربعة من نخبة المتمكنين في مجال التقرير وفريق استشاريين مكون من حوالي 20 مستشارا (وأنا منهم) بالإضافة إلى المساهمين من الأسكوا، ناهيك عن إتمامه، بعد عمل استغرق عاما، بإشراف وتوجيه د. ريما خلف، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للأسكوا، المعروفة بخبرتها وفكرها النير ونجاحها في نشر تقارير ما كان سيكتب لها التحقيق والنشر لولا وجودها؟ هل أصاب التقرير ذات الظلم الذي يوثقه التقرير؟ وما السبيل إلى تحقيق العدالة في الوطن العربي، عبر العمل السلمي المؤسساتي، إذا كان مجرد إصدار تقرير عن الظلم والعدالة أمرا غير مسموح به؟
أثار قرار الحجب وعدم إصدار التقرير تحت شعار المنظمة دهشة كل من عمل على انجازه أولا ثم الغضب ثانيا، ليليه الإحساس بالاستغراب، لبادرة لم تحدث سابقا، إذ سُمح بإصدار التقرير باسم الفريق (باستثناء المساهمين من الأسكوا) إن شاء أعضاء الفريق ذلك، ما يعني تنازل الأمم المتحدة عن حقوق الملكية الفكرية لصالح أعضاء الفريق.
ولكن، ما هي الأسباب الكامنة وراء الحجب من منظمة أممية تدعو إلى مناهضة الظلم وتحقيق العدالة، بمفردات زاهية الألوان؟
يقال إن الأمانة العامة للأمم المتحدة قد تعرضت إلى ضغوطات عدة تتعلق بمضمون التقرير، خاصة الفصل الرابع المتعلق بفلسطين، وبعضها الآخر يتعلق بما استعرضته فصول أخرى من انتهاكات لحقوق الإنسان في بعض البلدان العربية. أقول «يقال» إذ لم يصدر أي بيان رسمي لتوضيح أو نفي الأسباب من الأمانة العامة واكتفى متحدث باسم المنظمة بالاحتماء وراء درع الصمت، وكأن الصمت على الظلم الذي يتعرض له المواطن العربي من حكامه ليس كافيا. مما يحيلنا إلى نص التقرير، لمعرفة الأسباب، ووصفه من قبل فريق الإعداد، في الاجتماع الذي عُقد بعد أيام من حجبه، لبحث خيار نشره. وصفه الفريق بأنه تقرير استثنائي في محتواه، ويتطرق إلى العديد من جوانب الظلم للمرة الأولى «خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين. فقد كان هذا التقرير، في حال صدوره، أول تقرير للأمم المتحدة منذ عقود يقدح في شرعية وجود دولة يهودية تمنح جنسيتها على أساس الدين، ويصف إسرائيل بنظام الفصل العنصري وما يقع على الفلسطينيين بالإبادة السياسية، ويبين أن الظلم الذي تعرض له الفلسطينيون سابق على حرب الأيام الستة، وأنه قائم منذ قامت دولة إسرائيل، ودائم ما دامت. طارحا حل الدولة الواحدة في فلسطين حلاَ راجحا على حل الدولتين».
كما انه، حسب مُعِديه «يُحمّل الاستبداد المحلي والاستعمار الخارجي مسؤولية ما يدور في العالم العربي، ويدين قوى الثورة المضادة وقتل المتظاهرين، والمعتصمين العزل، واضطهاد الناس على أساس الدين أو العرق، والانقسام الطائفي وانتهاك حقوق الإنسان، ونشر ثقافة مشوهة سواء ادعت انتماءها للحداثة أو للتراث تكرس الخضوع للاستبداد والبطش».
كان التقرير، أيضا «أول تقرير للأمم المتحدة يتضمن بياناً للشباب العرب موقعاً عليه ومدعوماً من أكثر من مائة ألف شخص، يدعو إلى تحرير كامل فلسطين، والقضاء على كافة أشكال الاستبداد وإقامة الدولة العادلة التي تستند إلى قناعة الشعوب بشكلها ومرجعيتها الثقافية ونظام الحكم فيها، ويشرع المقاومة الشعبية المسلحة للدفاع عن النفس ضد الغزو الأجنبي في حال عجز الجيوش الوطنية عن القيام بذلك الواجب أو تقيدها عنه بأي قيد».
التقرير، برأيي، خلافا للعديد من التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، لا يلوك الكلمات. انه جريء في منظوره وتوصياته المغايرة للبراغماتية المؤسساتية التي تحاول إرضاء الداعمين فتخذل الشعوب، حيث نسمع صوت الشعب، المُغَيب، عادة، بدءا من المقدمة التي استهلت بها ريما خلف التقرير، مشخصة تدوير الاستبداد الداخلي «ولم تتعلم النخب الحاكمة ولا بعض معارضتها من سقطات الماضي. فرغم ما صنعته قوى الخارج بالعراق وفلسطين وغيرها من البلاد العربية، ما زال البعض، دولاً ومنظمات وأفراداً، يأملون منها الخير ويستدعونها لحمايتهم أو لحسم الصراع لصالحهم. والأطراف الخارجية لا تحمي إلا ذاتها ولا تحسم المعركة إلا لصالحها إن استطاعت، ولا تعبأ بحال الناس أو معاناتهم، فيعم القتل والدمار. ولما أصبحت المنطقة ساحة مستباحة للجميع، انتشر فيها التوحش واتخذ أشكالاً لم ترها منذ أيام الاستعمار». ويختار التقرير، بحث ظاهرة الإرهاب التي باتت لصيقة بنا وتحيطنا بسموم تكاد تخنقنا ترويعا وإذلالا. إلى ذلك تشير ريما خلف في المقدمة «وتتكرر أخطاء الماضي أيضاً في التعامل مع ما سميَ بالإرهاب. فيصر الخارج على توسيع تعريفه ليشمل حركات التحرر من الاحتلال، وتصر بعض النخب الحاكمة العربية على توسيعه ليشمل كل معارضة وازنة تشكل تحدياً لها. فلا يعود الإرهاب سبّة، ولا الحرب عليه، وقد قتلت من المدنيين أكثر مما قتل الإرهاب نفسه، شرعية. كما يخطئ القائمون على هذه الحرب، جهلاً أو تجاهلاً، في تحديد أسباب لجوء البعض إلى العنف. فعندما يُسأل العرب عن أهم سببين يؤديان إلى انضمام الشباب والشابات إلى جماعات متشددة، يشيرون بلا تردد إلى «حكومات فاسدة قمعية لا تمثل الشعب»، و«الاحتلال الأجنبي لأراض عربية». ولكن النخب الحاكمة تقرر أن لا هذا ولا ذاك هو السبب، وإنما هو فكر معوجّ لا بد من تقويمه، بينما يصر بعض الساسة الأجانب على أن السبب كامن في طبيعة العرب والمسلمين، فيصبح مليار ونصف المليار هدفاً لحربهم. والخطأ في التشخيص يؤدي لا محالة إلى الخطأ في العلاج، ما ينذر باستفحال المشكلة لا بانحسارها».

٭ كاتبة من العراق

لا تعليقات

اترك تعليق