ميديا بلوس-تونس-أصدرت ست منظمات حقوقية مصرية بيانًا عبرت فيه عن أسفها لترشيح السفيرة مشيرة خطّاب لمنصب مدير عام المنظمة الدولية للعلوم والثقافة «اليونسكو». وهي خطوة غير مألوفة في بلداننا حيث تسارع المنظمات والمؤسسات، عادة، لمباركة اية خطوة تدفع مسؤولا محليا للفوز بمنصب دولي. استندت الست منظمات وهي: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مركز النديم لمناهضة التعذيب، مركز أندلس لدراسات التسامح، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ونظرة للدراسات النسوية، الى سببين. السبب الأول عام يتعلق بكون السفيرة مشيرة خطاب تحتل منصبا رسميا «ممثلة لدولة معادية لحرية التعبير وحرية استخدام الانترنت، تفرض الرقابة على الصحف وتحبس عشرات الصحافيين، والعاملين بالمجال الإعلامي، وتحجب مئات المواقع بقرارات بوليسية». السبب الثاني معني بمواقف السيدة مشيرة خطّاب بالتحديد وما يراه الموقعون «الصمت المتواطئ للمرشحة عن تعدي الحكومة المصرية السافر على حرية التعبير». وجاء في البيان عدة أحداث كان يجب اتخاذ موقف منها، من بينها إغلاق سلسلة مكتبات بالأحياء الشعبية، إلا انها اختارت الصمت تجاهها.
إن اثارة قضية كهذه، من قبل منظمات حقوقية محلية، يُشكل ما يجب ان تقوم به منظمات المجتمع المدني تجاه الحكومات، أيا كانت، لصالح المواطن. وهو يصب، في هذه الحالة، في صلب عملها حين لا يتم الاكتفاء بالمساءلة القانونية بل يتعداها إلى مساءلة الموقف الأخلاقي، المتبدي، بالإضافة إلى الدور الفعلي، بصمت المسؤولين على انتهاكات حقوق الانسان، أما حفاظا على المنصب كما في معظم الدول العربية، أو حفاظا على المصلحة الشخصية ومحاصصة الفساد كما يحدث في العراق، اليوم، كنموذج يستحق ساسته الرصد. بل ويتعداه الى تحميلهم المسؤولية، في حال مساهمتهم، بأي شكل من الأشكال، بانتهاك حقوق الإنسان، خاصة، دعاة تمثيل الشعب منهم. وقائمة انتهاكات وخروقات حقوق الإنسان، بالعراق، طويلة. تبدأ من مداهمة البيوت والاعتقالات والتعذيب والتهجير القسري وتنتهي بأفق مظلم من قمع للحريات، تتخلله التفجيرات والقصف الجوي. المسؤولون كُثُر، وإن لم يشترك بعضهم بشكل فاعل فأن «التراجيديا الكبرى ليست الاضطهاد والعنف الذي يرتكبه الأشرار، بل صمت الأخيار على ذلك». كما يقول زعيم حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الراحل مارتن لوثر كنغ. يمثل الصمت تواطؤا في الفعل ودرعا واقيا للعديد من المسؤولين والنواب والأحزاب، يشهرونه، عند الحاجة، للظهور بمظهر أخلاقي، حين يتوجب عليهم اتخاذ موقف قد يكلفهم ثمنا ما. فالنائب العراقي يطلق صرخات الاحتجاج، الذي لا يعني التنفيذ بالضرورة، إذا ما ألَمَت بطائفته مشكلة، ويلتزم الصمت حيال ذات المشكلة عند طائفة أخرى.
الصمت، هو سلاح معظم النائبات، أيضا. فمن بين 82 نائبة في البرلمان، أي ما نسبته 27 في المئة من الأعضاء، وهي نسبة نُحسد عليها، نكاد لا نسمع لمعظمهن نأمة احتجاج أو اعتراض مهما أصاب المرأة، ولن أقول الرجل، من مصائب. انهن سيدات الصمت، يتوارين خلف حجابه بانتظار أمر من الحزب أو فتوى دينية. والطامة الكبرى، انعكاس ذلك على تشريع القوانين، فمشروع إقرار قانون الحماية من العنف الأسري، مثلا، تطلب زيارة وفد من لجنة المرأة والطفل «إلى المرجعية الرشيدة في النجف الاشرف واستحصال عدم معارضتها».
وإذا حدث ونطقت إحداهن فإنما لتدافع عن حزبها او منصبها مُكَذِبة الضحايا، لينطبق عليها المثل الإنكليزي القائل:  «هل من حاجة للأعداء بوجود هكذا أصدقاء؟»
مثال ذلك موقف عضو لجنة المرأة والطفل والأسرة النيابية هدى سجاد من التقرير الذي قدمته لجنة حقوق الإنسان النيابية في 2012/12/02 بخصوص الانتهاكات البشعة التي تتعرض لها السجينات، واصفة إياه بأنه «مثير للمشاكل». وذهبت أبعد من ذلك لتقدم صورة مشرقة عن واقع، يعرفه العراقيون جيدا، وطالما وثقته المنظمات الحقوقية المحلية والدولية. قالت السيدة النائبة: «فالقائمون على السجون متعاونون مع السجينات بطريقة انسانية، إضافة إلى أنهم يجلبون الحليب وغيرها من المستلزمات لأطفالهن الرضع».
في ذات الطريق، أي الاستهانة بكرامة المرأة، سارت النائبة عن محافظة نينوى جميلة العبيدي، حيث نطقت، في 1 آذار / مارس، مطالبة بتشريع قانون يشجع الرجال على تعدد الزوجات بل وصرف حوافز مالية لهم، مطالبة زميلاتها النائبات والنساء، عامة، إلى رفع شعار «نقبل بعضنا شريكات لحماية بعضنا» ونبذ «ثقافة المرأة الواحدة»، كطريقة لحل مشاكل «الأرامل والعوانس والمطلقات» حسب منظور النائبة التي لا تجد حرجا في المساهمة بإعادة المرأة العراقية عشرات السنين إلى الوراء بدلا من العمل مع بقية النائبات، على الأقل، على إيجاد حلول وسن تشريعات تنموية اقتصادية تساعدها على تجاوز وضعها، الحالي، المتشابك مع سوء وضع المواطنين عموما. وماذا لو كانت الخطوة الأولى ضمان صرف راتب الزوج الراحل لبضع سنين تستعيد بها الأرملة توازن حياتها، أو المعونات المادية للمرأة شخصيا بدلا من القبول في أسوأ أوقات ضعفها بزوج المستقبل؟
وإذا كانت خطوة النائبة قد تعثرت بعد أن جوبهت بالسخرية والنقد اللاذع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبالتالي عدد من النائبات، إلا أن ذلك لم يدفع البرلمانيات المعترضات إلى البحث الجدي وإيجاد البديل لحل قضية الأرامل والأيتام وأعدادهم المتزايدة، بشكل مستمر، منذ احتلال البلد عام 2003. وتسللت رطانة «التضامن» مع المرأة بعد إضافة مفردات «تحقيق السلام» و«نبذ العنف» الى خطب كل النواب والساسة لتصبح جزءا لا يتجزأ من تصريحاتهم ومقابلاتهم ، كما هو خطاب منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسوية خاصة. بات الخطاب، مكررا، مشروخا، يبدو وكأنه مكتوب من قبل شخص واحد، وفق صياغة جاهزة، ليس بالمستطاع الخروج عليها، وإلا غضبت الدول والمنظمات الدولية المانحة. الأهم من ذلك عدم وجود النية الصادقة لأحداث تغيير حقيقي لصالح المرأة كمواطنة تتمتع بحقوق الإنسان، سواء كان المسؤول الحكومي ناطقا أو صامتا.
قد لا تكون حالة السفيرة المصرية مشيرة خطاب مطابقة للوضع العراقي تماما، فلكل بلد خصوصيته، سواء على صعيد المسؤولية السياسية أو منظمات المجتمع المدني. إلا أن خروج ست منظمات حقوقية ببيان مشترك يخرج على خطاب التأييد الرسمي، الحكومي والديني، يستحق التوقف عنده ولو من باب المراجعة، والرصد، والمقارنة، وطرح التساؤلات وعدم الاكتفاء بشن حملة «دول منظمات جاسوسية مش حقوقية».

٭ كاتبة من العراق

 

لا تعليقات

اترك تعليق