ميديا بلوس-تونس-تحتفي الأستاذة كلثوم منصوري بالأنثى في مختلف تجلياتها وتخاطبها قائلة “يا أنت” انتصري لك ولا تنتظري أن ينتصر لك أحد، وهو ما جاء في نصها التالي:

يا أنتِ يحدث أن تتشابه الأيام وتتشابك في اصطفافها المعتاد على وتيرة الزمن المحتوم، يحدث أن تظلم الدنيا أمامك ولا بصيص من نور يتراءى في الأفق البعيد، يحدث أن تتلبد السحب الدكناء في سمائك الصافية الزرقاء ملقية بظلالها الرمادية على القلب والروح، يحدث ألا تجري الرياح كما تشتهي سفنك وأن تتوقف قواربك في عرض البحر تائهة لا هي عادت إلى معاقلها ولا هي أدركت وجهتها. يحدث أن تتعبي، يوما أن تتهاوى قواك، أن تدخلي نفقا مظلما لا نهاية له وأن تضيعي ذاتك في الطريق الوعرة وتفقديها في منعطفاتها الملتوية، يحدث أن تتتالى خيباتك وانتكاساتك وانكساراتك، يحدث أن تلاحقي الروح الشرود التائهة في دروب الحياة… يا أنتِ يحدث كل ذلك لك وأكثر… وفجأة ودونما انتظار يحدث أن تتملكي قوة رهيبة لا تعرفين من أين أتتك، أن تستشعري قدرة غريبة على الانبعاث من جديد أن تمري بلحظات صفاء نفسي تتحررين فيها من كل ثقل أصابك فتنفتح روحك أخيرا على مواسم الفرح الخفي، يحدث أن تتملكي قدرة على رسم ابتسامة عذبة على محياك المتعب رغم كل شئ… كم هي قصيرة جدا أزمنة الامتلاء والصفاء وكم هي طويلة ثقيلة أزمنة الاغتراب والتيه والضياع؟ يا أنتِ إذا ظفرت بتلك اللحظة السحرية الهاربة منك فلا تفرطي فيها. إياك أن تفقدي الإحساس بروعتها من خلال فوضى الأنغام ونشاز الألحان. اجهدي في تتبع السلك الذي ينتظم شتات المعاني والأوزان، تعلقي بالنغمة الأم ولاحقي أثرها السحري ميزيها وسط جداول الأصوات وخضم النشيد. يا أنت… افتحي ابواب النوم الموصدة أمام الشعاع النوراني القادم من السماء، حاولي أن تستوضحي سره مهما رقَ وشقَ ،يا انتِ جربي للحظة أن تتنفسي بعمق بعيدا عن جدران حجرتك الضيقة، جربي أن تضعي يديك على صدرك في سلام وأن تتبعي دقات قلبك إلى أين تقودك، جربي أن تغمضي عينيك في سكينة وأن تغوصي في حلم بعيد، يا أنتِ قولي يا الله… كما لم تقوليها من قبل قوليها ملء قلبك متيقنة أن بعض الدعوات لا تستجاب في لحظتها بل تعطى في الوقت الأجمل والأنسب… وما كان ربك نسيا… يا أنتِ هل تشعرين بالبرد؟ تدثري بدثار الحكمة والصبر. هل تشعرين بالجوع؟ مارسي طقوس الصوم العميق، أصاب قلبك الصدأ؟ جربي مرهم النقاء، تسرب إلى نفسك اليأس؟ عالجيه بجرعات إضافية من أمل ويقين وحسن ظن بعلي قدير… يا انتِ أتعبك الغراب الأسود قاوميه بحمامة بيضاء، أزعجك نقيق الضفادع حاربيه بموسيقى الذات العميقة، يا أنتِ كوني نجمة في السماء مضيئة، كوني زهرة في روض نيسان، كوني بسمة عذبة في وجه الزمن العبوس، كوني قديسة في محراب الروح…
يا انتِ، كوني أنتِ في زمن الأقنعة والوجوه المستعارة، يا أنتِ عيشي حياتك بعمق وفي عمق ولا تبالي…

لا تعليقات

اترك تعليق