ميديا بلوس-تونس-تحت عنوان “هل لنا إعادة تأسيس خطاب ديني من أجل الإنسان؟”، كتب البشير العباسي يقول:

1/ في البدء.:

أعلم يقينا أنّ تخليص الإنسان من قيود الخطاب الدّيني الموغل في أوهام تتسرّب من خطاب ماضويّ يلوي عنق الحداثة واهما أنّه بذلك يرتقي إلى مقام الصّالحين، وأنّه أصدقّ النّاس انتماء للدّين والتّراث الفقهي. ومشكلته الجوهريّة أنّه لا يقدر على التّمييز بين الوفاء للتّراث، وبين الالتحام بالواقع ليفعل فيه بإيجابيّة ومسؤوليّة وحضور مؤثّر تأثيرا يرفع ولا يضع، يسعد ولا يتعس، يزرع الأمل ولا يفجّر نفسه ولا غيره، ولا يحرق زرعا، ولا يهدم معمارا، ولا يقطع طريقا، ولا يدمّر أجيالا. إنّ مسؤوليّة بمثل هذا الثّقل والعبء توجب علينا أن نحرّر خطابنا من ردّته إلى إيلاجه في مشاكلنا إيلاجا… مفتاح العصر عقل يقول ها أنا ذا… ليس كان أبي.

2/ غزوة بدر العظمى نموذجا.

أ/ أنا عزمت أن ألج الممنوع.وأن أبدأ من الاحتفاليّات في قنواتنا التّلفزيّة العربيّة عموما، وبعض التّونسيّة منها، فإنّها تعرض البطولة والشّهامة للصّحابيّ الجليل سيّد الشّهداء حمزة، أو الشّهيد الطيّار جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أو سيّدة الشّهداء سميّة أم عمّار بن ياسر، أو والده رضي الله عنهما، أو البطل الثّابت العبد المملوك، المسحوق بلال الحبشيّ رضي الله عنه… إلخ… “فيلم الرّسالة نموذجا” إذا تأمّلت بعينيك العمل الدّرامي يشدّك الممثّل شدّا، حتّى كأنّه حمزة حقّا أو سميّة حقّا… وهذا جميل فنيّا. ولكن ماذا يبذر؟ وماذا يزرع؟ وماذا نجني منه؟ أسئلة حارقة ولا شكّ.ولكنّ جرأة التّفكير أن تحرّر نفسك أوّلا، ثمّ تحرّر الآخرين. تحرّر نفسك من عقدة البطولة والدّم… تحرّر نفسك من المغالطات، فالمواطنون من حولك بل وفي أقطار العالم ليسوا أبا جهل، ولا أبا لهب، ولا النّمرود، ولا فرعون. إنّهم تونسيّون مثلك، ينطقون بما ننطق من طيّب الكلام، وأحيانا من فحشه. فإذا زلّ لسانك هل تحرقه؟هل تقطعه؟أم تهذّبه بتلاوة واستغفار؟ هل تأكلك نفسك اللّوّامة أم أنت في سبات عميق؟ نحتاج هذه النّفس اللّوّامة لنصلح أنفسنا وذات بيننا ونصلح أوطاننا، ونصلح مناهجنا التّربويّة، ونصلح سلوكيّاتنا، كمستهلكين وكباعة وتجّار وساسة وزعماء أحزاب… نحتاج تأمّلات جادّة ومسؤولة… اقرأ قوله تعالى: “فلا أقسم بالنّفس اللّوّامة” هذه النّفس الممدوحة ماذا فعلت حتّى مُدِحتْ؟ لقد أخطأت فلامت وتابت. أفضل عمل أن تتوب من قريب… فإن لم يكن من قريب فتب ولو بعد حين… إنّ ربّك ليفرح بتوبة عبده… أفلا تفرح ربّك بقولك: ” إنّي تبت إليك”؟ ثمّ أتبع السيّئة الحسنة تمحُها عد إلى النّاس أحسن إليهم، أصلح ولا تكن مع الفاسدين ولا من المفسدين.

ب/ إنّ إحياء التّراث ليس بتقمّص دور حمزة رضي الله عنه يوم بدر. ذلك يوم بعيد. ولكن انظره في فكّه الأسرى. فكّ أسر أخيك الإنسان. إنّه يحتاج أمنا ويحتاج تواصلا ويحتاج حوارا ويحتاج احتراما ويحتاج مساعدة… فكّ أسره. أسر الجهل وأسر الحرمان، وأسر السّذاجة… يتاجرون به يا أخي… يبيع المخدّرات والمسكرات والمهرّبات والممنوعات والمحجّرات تحجيرا… هذه قراءة السّيرة التّي نريد.

ج/ إنّ محمّدا عليه السّلام كان يصلّي يوم بدر ليكفّ الله أيدي المشركين. لأنّه يرى تلك العصبة من الرّجال إذا هلكت سقط الإنسان في ظلمات الجهلوت. لقد كانت تلك الفئة الظّالمة تصدّ الخير، وتقطع سبل السّلام، وتزرع ما يفرّقون به بين الرّجل وولده، وبين البنت والحياة، وبين العفّة والسّلامة البدنيّة والنّفسيّة والجنسيّة… كانت معركة اضطرار لا اختيار. لذلك جلس المبعوث رحمة للنّاس، بل للعالمين، جلس يصلّي ويبكي. وللعاقل أن يسأل ما يفعل القائد العسكري غير المؤمن بعد الانتصار؟ يخطب يمجّد خطّته الحربيّة… و… و… ولكنّ الرّسول القائد كان يبكي القتلى. والسّؤال لماذا كان يبكي؟ كان يبكي أنفسا لم يقدر أن ينقذها، ولا تمكّن من هدايتها، ولا استطاع إقناعهم. محمّد عليه السّلام كان ينتحب أسى وحسرة على ضحايا إبليس. ضحايا الجهالة.

3/ الخاتمة.

*إنّ المسلم المعاصر عليه أن يعيد تأمّل السّيرة النّبويّة ليبشّر البشريّة جمعاء بخطاب إنسانيّ يزرع الفضيلة ويبشّر بالعفو والرّحمة.

*إنّ مهمّة المسلم المعاصر أن يسهم في الإنقاذ الزّراعي، والوقاية من الأمراض السّارية والأوبئة وكل ما يضرّ النّاس على اختلاف مللهم وتنوّع مذاهبهم. فيصفّق لإنقاذ طفل من الدّفن بسبب عجز طبيّ أو حصار اقتصاديّ ظالم غاشم.

*وليس له أن يباهي بقتل أبي جهل أو شيبة بن ربيعة أو غيرهما. بل عليه أن يتمثّل الرّسول الأكرم وهو يعترض على قول جبريل إذ قال: “ربّ العزّة يقرئك السّلام، ولو شئتَ أن أُطْبِق عليهم الأخشبين أفعل… قال المرسل رحمة للعالمين: “لا بل أرجو أن يأتي من أصلابهم من يرفع راية هذا الدّين”. لقد حرّر النّاس يوم الفتح والنّصر الأعظم. فقال: “اذهبوا فأنتم الطّلقاء”. الحريّة غاية الدّين… أليس كذلك؟

أبو يوسف البشير العبّاسي.

لا تعليقات

اترك تعليق