ميديا بلوس-تونس-الإيمان عقيدة مستقرة في القلب يعبر عنها المسلم بلسانه ويترجمها عبادة لله الواحد وخلقا كريما في معاملاته مع الناس ملتزما بالإسلام أمرا ونهيا، كتابا وسنّة. ولعل أبرز مظهر من مظاهر هذا الالتزام هو المثابرة على الطاعات ونبذ المعاصي في محبة لله رغبة في ثوابه ورضاه. ومن رحمته تعالى أن بعث خاتم الأنبياء والمرسلين بيانا لكتابه قولا وسلوكا، فكان قرآنا يمشي على الأرض بما تميز به من فهم عن ربه وتجسيم للمبادئ السامية التي جاء بها الإسلام، فاستحق من المولى سبحانه وتعالى أعلى مراتب التكريم إذ قدم له أسمى شهادة لمخلوق: “وإنك لعلى خُلُق عظيم.” وقد قرن الله تعالى في الشهادتين إقرار المسلم بوحدانيته بإقراره بنبوّة المصطفى صلوات الله عليه وسلامه. وقرن طاعة المسلم لربه وحبّه إياه بطاعة المسلم لنبيه ومحبّته إياه: “قل إن كُنتُم تحبّون الله فاتبعوني يُحببْكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم. قل أَطِيعُوا الله والرسول فإن تولّوْا فإن الله لا يحبّ الكافرين” صدق الله العظيم.
فطاعة الله والرسول من ثمار الإيمان والمحبّة، ومعصيتُهما مظهر من مظاهر الكفر أي الجحود لنعم الله.
ولقد ضرب النبيء صلوات الله عليه وسلامه أروع مثال لمحبة رَبِّه وبه اقتدى صحابته الكرام والسلف الصالح فأحبّوا الله وأحبّوا رسوله. فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يبذل أقصى الجهد في إبراز محبته لله تعالى فيقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وعندما أشفقت عليه السيدة عائشة رضي الله عنها عن الداعي لاجتهاده قال لها: “أفلا أكون عبدا شكورا”. ولنذكر معاناته في الدعوة إلى الله وما لاقاه من صدود قريش وتكذيبه وحصاره مع صحابته في شعب مكة ،ولنذكر ما سلطه المشركون عليه وعلى المؤمنين من تعذيب … ولنذكر صبره وصموده في وجه الطغيان، ولنذكر رحمته بهم رغم ذلك إذ قابل ظلمهم بالدعاء لهم : “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”. ولنذكر عودته من الطائف منكسرا مناجيا ربه في محبة: “إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي”.
كان لنبينا أبلغ التأثير في بناء شخصية صحابته على محبة الله ورسوله مما جعلهم يقدمون العلاقة الإيمانية على العلاقة الدموية أي الأسرية. ولم يكن ولاؤهم للأقربين والعشيرة والقبيلة إلا بقدر ما يحقق الولاء لله وللرسول: فهذا عبد الله بن عبد الله بن أبي ّبن أبي سلول يمنع أباه من دخول المدينة قبل رسول الله لانه سمع أنه قال والمسلمون عائدون من إحدى الغزوات: “لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ”. وقال له: “رسول الله هو الأعزّ وأنت الأذلّ”. فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم “دعه يدخل” .
طاعة المؤمنين للرسول ومحبتهم إياه كانت تزودهم بطاقة عالية من التجرّد والصبر فتصلهم بالمحبوب لتتضاعف قدرتهم على البذل والعطاء، فلا تجتمع في قلوبهم محبة الله ومحبة أعدائه. يقول المولى سبحانه: “لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه…”، فلا يمكن أن يجتمع في قلب مؤمن محبة لله ورسوله وولاء لغيرهما من أعداء الأمة. فقد حدّد القرآن الكريم علاقة المسلمين بأهل الكتاب التي تتمثل في احترامهم وعدم الاعتداء عليهم إلا في حالة الدفاع وإنصافهم دون اتخاذهم أولياء أي مناصرين وحلفاء ضد فريق من المسلمين أو غيرهم، يقول تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين” صدق الله العظيم. فالولاء لا يكون إلا لله ورسوله وللمؤمنين: “إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون”
فما ذاق حلاوة الإيمان من لم يحب الله ورسوله، وما ذاق ثمار المحبة من لم يتعلق قلبه بمحبة الله ورسوله، وما ذاق لذة القرب من الله من لم يجعل طاعة الله ورسوله جوهر محبتهما: يقول الحبيب المصطفى، صلوات الله عليه وسلامه: “ثلاث مٓنْ كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يُحبّ المرءٓ لا يحبّه إلا لله، وأن يكره أن يعودٓ في الكفر- بعد إذ أنقذه الله منه- كما يكره أن يُقذف في النار” (رواه البخاري ومسلم)
فمن آمن بالله ربا وبمحمد رسولا ونبيئا وبالقرآن كتابا فقد أوجب الله عليه محبته ومحبة حبيبه ،صلوات الله عليه وسلامه، وأوجب تفضيله وتفضيل رسوله على جميع مخلوقاته والنَّاس أجمعين وعلى كل حطام الدنيا .فقد روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: “كنّا مع النبيء ،صلى الله عليه وسلم وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله،لٓأنت أحبّ إليَّ من كلّ شيء إلا نفسي.”، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك.” فقال عمر: “فإنه الآن والله لأنتٓ أحبّ إليَّ من نفسي.”فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: “الآن يا عمر.”
يحق لنا أن نتساءل عن مستوى محبتنا لرسولنا المصطفى، صلوات الله عليه وسلامه، ونحن نحتفل بذكرى مولده. فهل أحببناه حقا فآثرناه عمن سواه من البشر ومن زينة الحياة الدنيا؟ هل أطعناه فاتبعناه فأحيينا سنته واقتدينا بخلقه الكريم في بيته مع أهله ومع أصحابه وجيرانه ومع مخالفيه؟ هل نحن متشوقون للقائه؟ هل أحببنا القرآن كما أُحبّه فجعلناه دليلنا إلى الجنة؟هل أكثرنا من الصلاة عليه؟ هل أحببنا آلِ بيته؟
ذكرى المولد النبوي الشريف محطة إيمانية يحاسب فيها المؤمن نفسه عن علاقته بربه ونبيه، وهي فرصة يغتنمها الآباء والمربون ليعرفوا أبناءهم بسيرة الحبيب المصطفى، صلوات الله عليه وسلامه حتى يكون قدوتهم وقائدهم. فلا يقف الاحتفال عند التوسيع عليهم ونشر الفرحة بينهم.
فلنعتبر بهذه الذكرى العزيزة على قلب كل مسلم من أجل مزيد من المحبة لله وللرسول وذلك بالإقبال على الطاعات ونبذ المعاصي.
وعسى أن تكون الذكرى فرصة لحقن دماء المسلمين والعودة إلى التمسك بحبل الله المتين من أجل الوئام والأمن والمحبة والسلام. وعسى أن تلهم الذكرى قادة الأمة محو أسباب الفرقة والفتنة ونصرة قضية فلسطين.
“لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عَنِتُّم، حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم” صدق الله العظيم.

لا تعليقات

اترك تعليق