نبض الحريّة والكرامة في “سأكتفي بك حلما” للكاتبة نجيبة بوغندة/ بقلم أحمد بوغرارة.

0
49

ميديا بلوس-تونس-نلج هذه المجموعة القصصية احتفاء بالإبداع الأدبي من الجانب الدلالي قصد تبيين أهم القضايا المطروحة في ثنايا هذا الكتاب، وقد قسمت المداخلة إلى:
1- تمهيد =لماذا الاحتفاء بهذه المجموعة؟ (الحلم).
2- قراءة في العنوان والغلاف (المظهر الخارجي).
3- دلالات عناوين الأقاصيص (الحرية والكرامة).
4- الشخصيات والبطولة (صور البطولة).
5- رمزية المكان والزمان.
6- لغة القص= الخيال.
7- الخاتمة=الإبداع مسار (مجموعة ثانية: حديث وسط السكون/ رواية اللاجئة).

*مقومات السرد المضمون والمحتوى: “الكتابة جزء من وجودنا/ مقاومة للعدم“.
1- التمهيد:
مجموعة قصصية تمتد 191 ص تجمع في طياتها 18أقصوصة تختلف طولا وتتفق حول المعني الأمثل= الحرية والكرامة وسنتين ذلك من خلال أمثلة دقيقة.وهي في طبعة 2 وكانت الطبعة الأولى في مارس 2014
لماذا هذه المجموعة؟

-1- لأنها تعبر عن معان إنسانية كالحرية والصمود والتضحية والحب والأمومة والطموح… (الثورة فتحت الأبواب مسرعة لمثل هذه المعاني التي كانت موصدة فيما مضى).
-2- سعي الكاتبة إلي الإبداع بالكلمات لغة ومعنى. أما لغة فهي تحاول نسج صور خيالية غير معهودة تقارب الشعرية مثل نمت والحفن مغمض. وعنك ما نامت عيني، وقلبي وإن غفا دونك لم ينم…
من تحدث؟ وهنا تجيب أنت يا طفلي يا حلما زار الأحلام وغادر دون أن يرتوي… هل رأيت أرأف بالوليد من قلب الأم؟= الحلم.
2-قراءة في العنوان والغلاف:

قطب الرحى هي الحلم/ الأمل/ الطموح/ الحرية/ الحب/ الحياة من جديد(بكل معانيها). ألم يقل الشاعر
“أمني النفس بالآمال أرقبها… ما أضيق العيش لو لا فسحة الأمل؟”
*العنوان: “سأكتفي بك حلما” هو عنوان الأقصوصة التي تتوسط بقية الأقاصيص— كيف نقرأ هذا العنوان؟… إنّه قابل لجميع التأويلات.
*س= حرف الاستقبال— نظرة أمل وتفاؤل للآتي (فتح أفاق واسعة للقارئ الذي يعيش الفتور والضجر والرتابة من ضغوطات الحياة اليومية.
*أكتفي= المتكلم؟/ صوت رجل؟/ امرأة؟/ شاب؟/ كهل؟/ أم؟/ حبيبة؟
*بك = مؤنث/ مذكر؟ بشر/ معنى مجرد/ معنى محسوس؟
*حلما = مفرد في صيغة الجمع الأحلام؟ ما هي؟ الفردية والجماعية؟
العنوان ينبض حياة وأملا ويدفع إلي الخيال بالتذكر(الماضي) وبالطوق والطموح (المستقبل).
*الغلاف:

وجه امرأة تحيط بها الأزهار. ملامحها تقبل التأويل على ضروبه (الحيرة – التذكر- الانتظار- الأمل…) === والمرأة رمز للخصب والعطاء/ رمز للأرض والوطن/ رمز التضحية والصبر…
3- معاني الحرية و الكرامة: (من خلال العناوين الداخلية= الأقاصيص).
جاءت المجموعة في 18 أقصوصة، صُدّرت بالمقدّمة التي كانت بإمضاء رئيس جمعية ألق الثقافية عنوانها برائن الإبداع، فالأدب مأساة أو لا يكون كما يقول محمود السعدي) شهرزاد العصر، تلاها  الإهداء وهو موجّه إلى الأسرة/أحباء الكتابة/ وما يشد في الإهداء هو الإيمان بأن التجربة الإنسانية قابلة للتطور، كما يحمل معنى التواضع لصاحبته/ الطموح/ التجريب والبحث المستمر…، وقد توسّطت أقصوصة “سأكتفي بك حلما”.
إذا تصفحنا العناوين نجد معاني الحرية والانعتاق من خلال: يا بحر/ زخات مطر/ ولادة الفجر/ همس الوسادة/ شباب زمن المشيب/ وشم على وشم وهي غوص في أعماق الذات، ومعاني الكرامة والعزة والصمود من خلال قصة: زهرة المدائن/ غزة تسترجع الفرح/ سنوات الجمر، ومعاني التضحية والأمل والصبر= الموؤدة/ عزيزة قومها تغتصب (فلسطين)/ الاغتيال/ الفراق المحتوم/ الأسيرة وهي قصص نسيج بين الواقع والخيال.
4- الشخوص رموز للحياة:
الراوي مذكرا ( أقصوصة شقاوة الألوان) أو بضمير الغائب أو مؤنثا من خلال قصة سنوات الجمر، ووردت الشخصية البطلة رجلا  (سأكتفي بك حلما) من خلال شخصية “الطيب” بطل هذه الأقصوصة فهو الرجل القوي صاحب الرأي الثاقب كما المواقف الجريئة انخراط في الحركة الوطنية ليتحمل دوره كشاب ثوري مندفع تؤرقه أوضاع بلاده وظلم المستعمر لأهله ص 76.

إن أهم المعاني التي تخالج نقسه هي قيمة الحرية، فاستمع إليه يقول وهو مطارد من عساكر المستعمر:
ما أحلى الشعور بالحرية هكذا كان يردد في داخله وهو يستسلم للنوم فاتحا له ذراعيه، حاضنا له بكل شوق.ص87.
كما نعثر بوضوح على معني الصمود والإباء والعزة والكرامة عند أهل غزة الأبطال فهذه أم الشهيد في أقصوصة زهرة المدائن سعيدة بشهادة ابنها رغم جرح فراقه: ابتسمت أمه مودعة نعشا يحمل عزيزا وألحقت ركبه بزغرودة شقت صمت الحزانى تقول بإرادة لا تقهر: أنا أمك يا عزيزي ربتك وليدا وحضنتك شهيدا وأراك سعيدا ….أعدك يا جهاد أني سأثأر لك على طريقتي التي ستزلزل كيان المغتصب في عقر داره… ص 56
كما لم تخلُ المجموعة من معنى النضال والصبر و الاحتساب والإيمان بالله والثقة فيه (في أقصوصة سنوات الجمر) وقد ورد ذلك في شكل جمل استفهامية تنبض ألما:أتعرفين دمع القهر؟ هل عشت يوما ملاحقة من البوليس السري يقف خطواتك ويعد أنفاسك ويكبل تنقلاتك؟ هل ذقت يوما طعم ساعة ذل وهو أن أتجرعها غضبا كلما أوقفت بمركز الأمن؟ هل تعرضت لحظة لبذئ الكلام يتفنن جلا دونك في صبّه في آذانك قسرا دون حياء؟… ليتني أفقد الذاكرة فأجنّب نفسي عذاباتها المتواصلة… ص 103.
هذه نماذج قليلة من شخصيات هذه المجموعة عبرت الكاتبة من خلالها عن جملة من القيم والمبادئ الإنسانية…
5- المكان والزمان ودلالتهما على معاني الحرية:
المكان1: البحر (الملجأ- الصديق الذي نبوح له بالأسرار= كاتم سري…) كلما ضاقت بنا الأرض بما رحبت لجأنا اليه، فتقول الكاتبة: نظرت في عيون البحر… لمحت سكونه الظاهر وحيزة موجه كلما به النسيم سألته دون تردد: أتسمعني كما أسمع هديرك الصامت… أتسمع نشيج قلبي؟ ص 11.

المكان2: الأرض/ الحقل/ الطبيعة من خلال وصية الجد لحفيده (أقصوصة شقاوة الألوان)، هذا الحقل ورثته عن أبي وغدا سيكون لك يا ولدي، فيقول له الحفيد: سأحافظ عليه يا جدي وسأجعله جنة على و جه الأرض
=> معنى الوفاء والفخر بالانتماء إلى هذه الأرض الطيبة.
المكان3: المستشفى (العلاج: الصبر على الألم/ الإيمان بالقضاء والقدر فهذه الأم وقد فارقت ابنتها وجدان الحياة بعد صراع مع المرض الخبيث وهذا طبيبها المباشر يؤكد موتها فإذا الأم، صابرة محتسبة رغم تعلقها الشديد بابنتها بل كانت كلمة الله أكبر لا تفارق شفتيها…=> في المكان دلائل الانتصار والحرية والعزة…
أما الزمان، فقد ورد بين الفجر وزمن الشباب وفصل الربيع:لا تتنهدي… فالفجر سينبلج قريبا” =>الفجر رمز التجدد والولادة… بالمقابل نجد الليل وما يوحي به من ثنائية الظلام الظلم الذي سلط بطل أقصوصة ولادة الفجر: قبع المسكين يراجع سجل ذاك اليوم المشؤوم عله يظفر بإجابة تشفي غليله حول أسباب اعتقاله المفاجئ لكنه لم يصل إلى إجابة شافية تضع حدا لحيرته… نام الجميع تلك الليلة لكن النوم لم يعرف إلى جفنه طريقا ص 137.

6- لغة السرد أو الخيال اللغوي:
في ثنايا هذه المجموعة سعي حثيث إلى تملك ناصية اللغة وتنزيل الكلمة مواضعها التي تستحقها. والعبارة تختلف كلما أوغلت الكاتبة في مكنونات الأشياء فهي تنطلق من وصف ما يتجلى للناظر ثم تغوص في أعماق النفس البشرية لتكشف أحاسيسه وهواجسه وتعمد إلى الصورة الشعرية لتقرب المعاني الخفية، ونلحظ ذلك مثلا من خلال صورة السجين الفلسطيني:نظر حوله إلى الجدران الكئيبة يودع صمتها القاتل يخنق براحتيه زفرات الموت بين أنفاسها لطالما غرزت أنيابها في جلده كلما أسند ظهره المثخن بالجراح إليها يستحضر الأهل والأحبة من وراء أسوار السجن هناك في غزة الحبيبةحانت لحظة الإفراج عنه… سبقته أفراحه وأحلامه وقبلاته إلى خارج الأسوار ص72
=>لغة تجمع بين الواقع والمتخيل وهو سمة من سمات الإبداع.
7- الخاتمة:
الإبداع مسار واستمرار، الإبداع صدق وغوص في جوهرة الحقائق، الإبداع تعبير عن المشاعر الإنسانية (المحبة/ الظلم/ القهر… للكاتبة نشاط مستمر: أدب الطفل والقصة القصيرة والرواية وحضور الندوات والملتقيات الأدبية والمشاركة في برامج إذاعية خاصة من خلال إذاعة تونس الثقافية، وهذا يذكّرني بقول  ابن رشيق:الشعر أو الأدب من أنت فيه يعبر عن وجدانك.
استمتعت بقراءة المجموعة القصصية، وطفت بين عوالم حالمة ممتعة حينا وغريبة حينا ومدهشة أحيانا، وأتوق لقراءة الأعمال الأخرى مثل مجموعة حديث وسط السكون أو رواية اللاجئة، ومرحبا بك في فضاء المنتدى في مناسبات قادمة، كما أشد على يديك، واصلي إبداعاتك، وتمثلي قول أحد المفكرين: وحدها الكتابات التي تضيء أجزاء مجهولة من الوجود الإنساني… تستحق البقاء.
مداخلة ألقيت في حفل التوقيع 5 مارس 2017 من تنظيم دار الشباب بالرياض ومنتدى المعرفة بسوسة.

لا تعليقات

اترك تعليق