ميديا بلوس-تونس-“تنفذ السفن إلى موانئ قرطاج من البحر عبر مدخل عرضه سبعون قدما يفتح ويغلق بسلاسل من حديد وتنتظم الموانئ بطريقة تجعل السفن تمر من الداخل من ميناء إلى آخر. وقد خصص الميناء الأول للتجارة وبه أقواس عديدة ومتنوعة. وتتوسط الميناء الداخلي جزيرة تحيط بها وبالميناء مرافئ كثيرة انتظمت على شكل مآوي لاستقبال مائتين وعشرين سفينة حربية وعلى جانبي كل مأوى يقوم عمودان يونانيان يكسبان المحيط الدائري للميناء والجزيرة هيئة الرواق. وفي وسط الجزيرة يوجد مبنى مركز القيادة العامة للبحرية القرطاجية ومن أعلى المبنى تطلق إشارات النفير وينبعث منه نداء النذير ومنه يتابع الأميرال عن كثب حركة الملاحة.

ولما كانت الجزيرة تننصب قبالة مدخل الميماء العسكري فقد كان باستطاعة الأميرال مراقبة ما يجري في عرض البحر بينما من كان خارج الميناء لا يستطيع تمييز ما بداخله. وتبقى الورشات دون البصر حتى بالنسبة إلى التجار الذين يدخلون على متن سفنهم ذلك أنها محاطة بجدارين متوأمين و ببوابات تمكن التجار من عبور الميناء الأول نحو المدينة دون أن يمروا بالورشات”. أبيانوس، بونيكا 96.

تميز الميناء القرطاجي ببنية مركبة فشمل الميناء التجاري والميناء العسكري وورشات لإصلاح السفن ومخازن… وقد غطى الميناء مجالا متسعا تجاوز 20 هكتارا. يتميز الميناء بمجاله الشايع وبنيته المركبة حيث يتكون من حوض مستطيل الشكل كهله 465 متر وعرضه 325 متر ويميح مجالا مائيا يقدر ب 15 هكتارا ويمثل الميناء التجاري، أما الحوض الدائري فيبلغ قطره 325 مترا ويمسح مجالا مائيا يقدر ب 8 هكتارات ويمثل الميناء العسكري.

يتمتع الميناء بموقع استراتيجي وبموضع محصن وعكس صنعة الإنسان القرطاجي وإحكام استغلال الموروث من الفينيفيين والسكان المحليين. وقد ساهم الميناء في بناء القوة التجارية والعسكرية لقرطاج ودعم حضورها في المتوسط بحوضية الشرقي والغربي، حيث تمكنت قرطاج من التوسع في المتوسط مبكرا قبل أن ينجز الميناء على شكله المعروف ومع القرن الثالث قبل الميلاد تدعم التوسع القرطاجي وكان للميناء دور متميز.

تنطلق السفن الحربية والتجارية من ميناء قرطاج وتسيطر على المسالك التجارية البحرية الهامة في المتوسط وكذلك في المحيط الأطلسي عبر حضورها المكثف في جزر المتوسط مثل مالطة، سردانيا، بنتلاريا، جزر البليار وغرب جزيرة صقلية وفي جنوب إسبانيا والسواحل المغربية والإسبانية…

مكنت التجارة القائمة على الوساطة والحرفية التي ميزت التجار القرطاجيين وسياسة الدولة القرطاجية التي جمعت بين إبرام المعاهدات واللجوء إلى القوة عند اقتضاء الأمر من بروز إمبراطورية تجارية قوية جدا في المتوسط. وقد مارست قرطاج بنشاطها التجاري التلاقح الحضاري ودعمت جسر التواصل بين شرق المتوسط وغربه.

لا تعليقات

اترك تعليق