ميديا بلوس-تونس-الربوبيّة والعبوديّة صفتان لبعدان متقابلان ضدّان متعارضان وكلاهما على حدة كل له مجاله سياقه خصائصه وصفاته.
لتهذيب الذّات البشريّة بتربيتها وتطهير أخلاقها وإصلاحها لأجل صلاحها وفلاحها لا بدّ من وعي وإدراك صفات الربوبيّة وتبيّن صفات العبوديّة حتى يمحى الجهل ويزول الوهم وينبت الصفاء في حديقة الرّوح وتنمو بذرة الإخلاص في حقل النّفس ويزهر العرفان في شجرة العقل وتقطف ثمرة العمل من مضغة القلب.
كل ما شاب الإنسان من توجّه خاطئ وسوء سلوك هو نتيجة لوهم أو سوء فهم أساسه خلط المفاهيم وعدم صفاء الذّهن وضبابيّة في النّفس وظلمة في القلب وعدم نقاوة الرّوح فالأخلاط والمزج داء والصفاء والنقاء دواء.
كثير من النّاس يخلطون بين الربوبيّة والعبودية صفات وخصائص وذلك لخلاء النّفس من صفات العبوديّة لبارئها لعدم قيامها بفروض الطاعة وبانعدام الضمير الحيّ وغياب مراقبة الأعمال ومحاسبة النّفس وعدم التزامها حدودها والتقيّد بالضوابط الشرعيّة.
أمّا أهل الصفاء والتّقى بصفائهم الرّوحي وببهاء عبوديتهم لمولاهم يميّزون ويدركون المفاهيم فهم عباد الله حقيقة وهم معبودهم بالتّحقيق تحققت عبوديتهم والتزموا حدودها واتّصفوا بصفاتها “أوردهم موارد انسه وأمدّ أرواحهم بمدد شهوده وقدسه فجرت مجاري أنفاسهم بنفحات أنواره وتدفّقت بحار سرائرهم برشحات أسرارهم”، وغيرهم بين ساه ولاه وغافل ومدّعي ومغرور واقعون في براثن الشّرك المعلن والخفيّ.
إذن لا بدّ من ضبط وتعديل البوصلة الأخلاقيّة ففي داخل كل إنسان مؤشّر اخلاقي يعبّر عن قيّمه فإذا ترسّخت قيّم الحقّ والعدل والخير والجمال في ذات البشر صلح مساره وبورك سعيه.
إذا تحقّق العبد بصفاته ووعى يقينا بالربوبيّة وقف عند حقّه لا يتجاوز حدوده فلعلّه يتشبّه في سيره بالرّجل الذّي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال قولته المذكورة بالقرآن العظيم:
“وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِي عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ* إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ* إِنّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ”1*

عسى بالفصل بين المتضادان المتعارضان الذين هما منفصلان غير مجتمعان أصلا في ذات واحدة تثبت جذور العبوديّة وتسقى بماء التوحيد.

-الربوبيّة: صفة الربّ الخالق الواجد المالك الرّازق ربّ كل شيء ومليكه الذّي بيده الأمر والحكم والقضاء وهو الإله المعبود المستحق للعبادة وحده دون سواه هو ربّ الأرباب لا شريك ولا مثيل ولا كفء له “تعزّز عن الأينيّة وتقدّس عن الظرفيّة وتعالى عن العنديّة لا يقاس بمثليّة ولا يقرن بشكليّة ولا يعاب بزوجيّة ولا يعرف بجسميّة لا يسبق بقبليّة ولا يلحق ببعديّة”.
له صفات الجمال والجلال والكمال هو الحقّ وآياته الباهرات الحقيقة في النّفوس والآفاق ساطعات لذوي الألباب تخبر عن الربوبيّة الخالصة لا يشوبها غموض ولا التباس لا تحتمل تأويلا خاطئا ساطعة كنور الشّمس بارزة مشحونة مضمّنة من مصدرها بالمعاني بل هي روح المعاني تخضع لها كل الأشباح والأرواح لقوّة سلطانها وبرهانها لا يحيد عنها إلاّ متّسخي الأواني من طمست بصائرهم فألحدوا بآيات ربّهم.
هو الظاهر والباطن “خلق العوام فلم يطيقوا نور بهائه فجعل بينه وبينهم حجاب الظلمة وخلق الخواص فلم يطيقوا مجاورته فجعل بينه وبينهم حجاب الأنوار”. تعالى علوّا كبيرا عن كل ما يتصوّر في الأفهام ويتخيّل في الأوهام.
لا يستأنس بأحد من مخلوقاته ولا يستوحش لفقدان أحد منهم غير مستقل ّ تماما عن موجوداته غير مفارق لها فهو خالقهم ورازقهم “يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن”2
كان كنزا مخفيّا خلق الخلق وأصبغ عليهم شتّى النّعم من إيجاد وإمداد خلقهم لمعرفته وأرشدهم لذكره وشكره أرسل إليهم الأنبياء والرسل لتذكيرهم بميثاق الفطرة “إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ”3
حذّرهم من أليم عقابه بمخالفته وعصيانه وإتّباع الشّيطان الرجيم ووعدهم بجنّة النعيم لمن أخلص عبوديته لله سبجانه.
الربّ عزّ وجلّ لا يتغيّر ولا يتبدّل لا ينفعل ولا يتعجّل صمد حيّ قيّوم صبور يمهل ولا يهمل يدبّر الامر يفصّل الآيات. غنيّ عن العالمين لا تضرّه المعاصي ولا تفيده وتنفعه الطاعات كبير متعالي لا يتصف بصفات مخلوقاته ولا يقاس بهم لا حدود لقدرته فأمره بين الكاف والنون بديع في صنعته حكيم في تدبيره رحيم بخلقه صادق في أقواله عدل في أفعاله وقضائه “لا يُسألُ عمَّا يَفعل وهُم يُسْألُون”4 .

-العبوديّة: مصدر عبد وصفات العبد الفقر العجز والجهل لا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه له نعمة الإيجاد والإمداد يمرّ بأطوار ومراحل يتغيّر يتبدّل بمفعول الزمان وتأثيرات البيئة والمحيط له تعلّقات حسيّة بإقامته في وطن الحسّ فلوثة الحسّ تنطبع في هيئة صورته “image corporel” فلا يستطيع التخلّص أو التملّص من تبعاتها إلاّ بالجهد الجهيد والتجرّد أليس وجوده عدم وعدمه وجود؟ وذلك لغلبة وسيادة التنشئة العائلية والاجتماعية التي تصوغ أفكاره وتبرمج سلوكه وتؤثر في توجهاته فهلاّ تفطّن وانتبه وعي علم يقين فقليل من يتجاوز إلى عين اليقين وحق اليقين في دنيا المحسوسات.
العبد جبل على الشّريفة والوضيعة ففيه من الخير والشرّ فهو يقعل الخير ويميل إلى فعل الشرّ واجتراح السيئات والعكس صحيح كما يحبّ الحقّ وغالبا ما يبطره يسعى للباطل ويقع في شباكه. هكذا هو الإنسان في بحر دنياه في عالم الحجب والظلمات هفوات وشبهات ذنوب وحسنات يتمتّع بعديد النّعم ولا يتحسّس باطنها ويزهد في ظاهرها لسرعة أحكامه وسطحيّة تفكيره وقلّة صبره نمطه الباطني (حركة وسكون) ونمطه الظاهري [شعور سعي ببان] غالبا ما لا يتّصف بصفاته ويطالع بالوهم ينسى ويسهى وتضعف إرادته ويحيد عن مقصده.
فهل يعي هذا العبد الآبق عن مولاه حقيقة صفاته ويتحلّى ويتجمّل بها ويتخلّى عن صفات لا تليق به؟ فلا يحقّ له لباسها أو اقتباسها لكي لا يحترق ويسقط وليعتبر ويدكّر أنّ من أحبّه الله رضي عنه وأرضاه قرّبه إلى حضرته ونال السعادة الأزليّة فلا يكون مخذولا أبدا ولنا في رسول الله اسوة حسنة فلقد أسرى واعرج به وبلغ سدرة المنتهى مكافأة لصدق عبوديته. ومن أبغضه الله عزّ وجلّ سقط من عينيه اطرده من رحمته وحضرته وشقى شقاوة أزلية فلا يكون مقبولا أبدا جزاء لتكبّره وظلمه وعصيانه وتمرّده فإبليس اللعين إمام الأشقياء عيّنة حيّة .
“إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ “5.

على العبد أن يلتزم بعبوديته لمولاه ويصدق في عبادته لكي لا يقع الالتباس والارتياب والتّيه والضياع فحقيقة عملية العبد الذهنيّة العمل بالكتاب والسنّة لكي لا تغتاله الأفكار المتضاربة والأوهام فيوسوس له الشيطان بشبهاته فيلتبس عليه الأمر ويحيد عن الصراط المستقيم فيضيع في السبل الشيطانيّة تائها.
“ولا تك من إبليس في شبه سيره ودع قيده العقلي فالعقل رادع”
طالما الأرواح محبوسة في الأشباح الحسيّة فهي عرضة لنبال ورماح الشيطان الرجيم كي يصيب قلبه ويميته معنى ويخرجه عن عبوديته فيلتفت إلى الملك أو الملكوت أو الجبروت. أليس الملك شيطان العالم والملكوت شيطان العارف والجبروت شيطان الواقف؟ ومن رضي بواحدة منها فهو من المطرودين من رحمة الله المنبوذين الذّين ابتلوا بسفر الظاهر وحرموا من سفر الباطن.
أيّها الإنسان لا تتجاوز حدودك قف دون حقّك واسعى جاهدا لتحقيق عبوديتك لمولاك ولا تتشبّه بإبليس اللعين ولا بفرعون وهامان وقارون والنمرود في عظيم قولهم وفعلهم وجرمهم ولا تيأس من رحمة ربّك فرحمته قريبة من المحسنين.
المراجع:1- 22-25 سورة يس.
2-آية29 سورة الرحمان.
3-أبة 172 الأعراف.
4-آية 23 الأنبياء.
5-آية 37 سورة الذاريات.
6-الفيوضات الرحمانيّة في المآثر والأوراد القادريّة الحاج إسماعيل القادري.

لا تعليقات

اترك تعليق