وما قدروا الله حق قدره ـ الحلقة الثانية

ميديا بلوس-تونس- خلق الله الإنسان من طين، تراب وماء، هل في ذلك حكمة؟ في يوم مشمس حارّ، عندما تصل إلى الشاطئ وتجد الرّمل ساخنا، لا تتحمّله قدماك الحافيتان، ماذا تفعل؟ هل تهرول راجعا نحو الطريق المُعبّد؟ لا طبعا، لستُ مجنونا، نهرُبْ من السخانة نمشي لجهنم، زفت الكيّاس أسخن. ماذا تفعل إذن؟ أجري نحو الماء، كما في الصورة الأولى. ولماذا؟ لأن الماء بارد. ومن قال لك ذلك، الماء واقع تحت أشعة الشمس مثل الرمل والزفت تماما؟ صحيح، لم أسأل نفسي هذا السؤال ـ
.
تفعل ذلك بفطرتك؟ نعم، ربما لأن الماء عميق؟ والرمل كذلك عميق. ربما لأن الماء شفاف ويمكّن أشعة الشمس من اختراقه، والرمل ليس شفافا. صحيح، ولكنك يا عزيزي القارئ لا تدخل إلى الماء العميق لتريح قدميك من حرّ الرمل، بل تكتفي بأن تجعلهما تلمسان الماء لمسا، فلماذا هذا الماء غير العميق لا ترتفع حرارته بسرعة مثل الرمل والزفت؟ لربما لأن ماء البحر متجدّد ويختلط بالماء البارد الذي يأتي من الأعماق. لا، حتى لو وضعتَ الماء في إناء وجعلته تحت الشمس، الوضع سيكون نفسه، زد على ذلك أنت قد تكتفي بالوقوف على الرّمل المُبلل دون أن تدخل الماء أصلا، كما في الصورة الثانية، فلماذا لا ترتفع حرارة الرمل المبلل بالماء بسرعة مثلما يقع للرمل الجاف أو التراب الجاف؟ والله لم أسأل نفسي هذا السؤال. فاحمد الله إذن أنك من تراب وماء، ولست من تراب فقط. الحمد لله. الآن يا عزيزي علمت ما فائدة خلقك من تراب وماء، أي من طين ـ
.
ماذا لو كنتُ مخلوقا من معادن؟ أنت فيك شيء من المعادن، لأن التراب يحتوي على معادن، ولكن لو كنتَ من معادن فقط فتلك الطامّة الكبرى، أما لمست معدنا واقعا تحت أشعة الشمس في يوم حارّ؟ نعم، يلسعني المعدن كما تفعل الجمرة. ماذا تفعل لو أن خصائص الماء الحرارية كانت مثل خصائض التراب أو الرمل أو الزفت أو الزيت أو الحديد، لنتفرض هذا، ماذا تفعل؟ سهل جدا عندما أذهب إلى الشاطئ آخذ معي حذاءً أمشي به فوق الرمل، وأتمدد على ملحفة سميكة فوق الرمل في ظل الشمسية. هذا إذا وصلت إلى الشاطئ حيّا. ماذا تقصد، تعترضني داعش في الطريق؟ لا، داعش في جلسة مغلقة مع بوتين، تعترضك أشعة الشمس، يا عزيزي. وأين المشكل؟ سترتفع حرارتك بسرعة وتموت. يعني لو ما فماش شمس، الأمور تمشي لي في البريمة؟ تمشي بيك للجبانة حتى لو الدنيا سقنطري. وعلاش؟ الجهد المترب عن المشي أو الرياضة يرفع الحرارة. وما دخل حرارتي؟ أنت 70% ماء والباقي مكوّنات التراب، وابنك الرضيع 90% ماء، يقع لك مثلما يقع للماء، ولا تستطيع المحافظة على حرارة 37 درجة داخلك، قل الحمد لله أن الماء له خاصيات حرارية منفردة وليس كما افترضنا. الحمد لله ـ
.
أهل الفيزياء، وبالتحديد أهل ديناميكا الحرارية (Thermodynamics, Thermodynamique)، يقيّمون الخاصيّة الحرارية للمواد التي تحدثنا عنها آنفا بعامل (Parameter, Paramètre) اسمه “السعة الحرارية” أو “التحميل الحراري”، بالفرنسية Capacité thermique ou Capacité calorifique و بالأنجليزية Heat capacity or thermal capacity. ما هي السعة الحرارية؟ باختصار، إذا كان لك مثلا غرام من مادة، أيا كانت، حديد، ماء، رمل، زيت، زئبق، … وسخنتها بالنار مثلا. كم من الطاقة (طاقة التسخين) تحتاج لكي تجعل حرارة المادة ترتفع بدرجة واحدة على سُلّم سلسيس (Celcus) أو كيلفين (Kelvin)؟ الماء سعته الحرارية مرتفعة جدا، وهذا مهمّ لحياة الكائنات، والنحاس طاقته الحرارية منخفضة جدا، وهذا مهمّ للحمامات التي تعمل بالطاقة الشمسية. غرام من الماء يحتاج إلى 4.184 جول (Joules) من الطاقة لكي يرتفع بدرجة حرارة واحدة (1oC)، بينما غرام من النحاس يحتاج إلى 0.385 جول فقط. فالمهندس يجعل فوق سطح الحمّام أنابيب من معادن، كالنحاس مثلا، يمر خلال الماء. هذه الأنابيب تلف بشكل حلزوني أو بشكل تردّدي لتجعل أشعة الشمس تسطع على مساحة واسعة من المعدن. كان بالإمكان جعل وعاء مسطح يسيل خلاله الماء، ولكن هذا لا يساعد على التسريع في تسخين الماء لأن السعة الحرارية للماء مرتفعة. الأجدر هو جعل الماء يحتك بمساحة كبيرة من المعادن عبر السيلان في أنبوب دائري طويل ملتفّ تحت أشعة الشمس. رأينا اليوم بعض حكم خلق الله لنا من طين (تراب وماء) وخاصيّة جديدة للماء، لا نعيش بدونها، وهي السعة الحرارية المرتفعة. اللهم بك أمنا، فلا تجعلنا ممن شملهم قولك: “وما قدروا الله حق قدره”. وإلى لقاء قادم، استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

بقلم الحبيب حمام

رابط الجزء 1 من هنا

رابط الجزء 3 من هنا