ميديا بلوس-تونس-منذ أن تأكد الهجوم الروماني على قرطاج انهمكت المدينة بأسرها في الاستعداد للدفاع عن كيانها فتوحدت المواقف وساد التضامن كافة الشرائح الاجتماعية، فالعدو على الأبواب والحرب الداهمة مصيرية وهي مسألة حياة أو موت. و كان نسق التسلح حثيثا إذ يقع يوميا صنع 100 ترس و300 سيف و500 رمح و1000 قذيفة منجنيق. أما النساء فأهدين حليهن وحتى شعرهن لنسج حبال الآليات العسكرية. هذا وكانت المدينة محصنة بأسوار لم يكن له، حسب لوبوهاك، مثيل في العالم المتوسطي من حيث العناصر المكونة لها وحكمة بنائها. ومعلوم أن الانتصار على قرطاج يمر حتما عبر اختراق هذه الأسوار وقد مثلت أهم عقبة للجيش الروماني الذي لم يتمكن من دخول المدينة إلا بعد محاولات عديدة وحصار دام ثلاث سنوات.
وقد عرفت الوضعية تطورا سريعا بانضمام عدد من المدن الساحلية إلى روما وهي هدريمتوم وليبتيمينوس وتابسوس وأكولا إضافة إلى أوزاليس وتوداليس في الشمال. وبتعيين القنصل سكيبيون الإيميلي، حفيد سكيبيون الإفريقي بالتبني على رأس الجيش الروماني، بدأت الوضعية تتغير فنزل بأوتيكا صحبة المؤرخ بوليبيوس وعمل عزل المدينة من جهتي البحر والبر وأقام الأبراج وركز آليات الهجوم. أما القرطاجيون فقد تجمعوا بقلعة بيرصة وحصنوا السور الداخلي المحيط بالمدينة. وتقرر الهجوم في مارس أو أفريل من سنة 146 قبل الميلاد بعد حصار طويل أضعف لا محالة المدينة وسرى بموجبه الوهن بسكانها.
تم الدخول إلى المدينة عن طريق الميناء ثم واصل الجنود الرومان سيرهم إلى الساحة العمومية في اتجاه قلعة بيرصة فدارت معارك واشتباكات ضارية في السطوح والأزقة وقد ترك المؤرخ أبيانوس وصفا دقيقا ومريعا عن هول المعارك ووحشيتها فكانت المقاومة شرسة وعنيدة من طرف القرطاجيين الذين احتموا بالمنازل التي تحولت إلى حصون فكانت يلقى من فوق شرفاتها الأموات والجرحى. وعندما استعصى على الرومان الوصول إلى القلعة أضرموا النار في المدينة فالتهمت المباني والعباد واختلط حطامها بالأجسام البشرية وامتلأت الشوارع بالجثث والجرحى. وتواصلت المعارك ستة أيام بلياليها والمدينة تحترق.
عندما وصلت الجيوش الرومانية إلى قلعة بيرصة كانت الوضعية غامضة جدا فقد سلم حوالي 50000 قرطاجيا أنفسهم و من بينهم القائد عزربعل إلى سكيبيون. أما البقية فواصلت المقاومة، وهناك من فضل الانتحار وسط النيران التي كانت تلتهم معبد أشمون ومن بينهم زوجة عزربعل التي استنكرت خيانة زوجها. وبعد أن شتمته رمت بنفسها في النيران صحبة ابنيها تحت أنظار القائد الروماني. هكذا اقترن الانتحار والنيران والمرأة بتأسيس المدينة ونهايتها.
واصلت المدينة احتراقها مدة عشرة أيام ويذكر أن سكيبيون بكى عند مشاهدة المدينة خشية أن تعرف روما نفس المصير. ولم يكتفي الرومان بما هدمه الحريق بل دكوا ما بقي قائما من مبان ثم تم حرث الأرض وذر الملح فيها واعتبرت ملعونة حتى لا يعود بعثها من جديد.
ولئن انتهت قرطاج فإن آثار الحضارة البونية لم تمح ذلك أن الحضارات بل الثقافات لا تموت خاصة إن كانت في ثراء حضارة قرطاج وثقافتها والشواهد كثيرة على ذلك إلى يوم الناس هذا. ومن المفارقات أن الرومان هم الذين سيبعثون قرطاج من جديد بعد حوالي قرن من تدميرها.

د. رياض الورفلي

لا تعليقات

اترك تعليق