ميديا بلوس-تونس- رواية “غصّة” للبشير الخلفي هي حلقة من سلسلة روايات يسارع فيها الكاتب الزمن حتى لا تفتك بنا آفة النسيان ، يواصل بلا هوادة عبر الحرف توثيق ذاكرته وذاكرة شريحة من التونسيين ، ذاكرة تعطّلت عن الاشتغال بعد الثورة بعد أن فتك بنا اليومي والسياسي والحزبي بمؤامراته وحسابته وتقلباته وتوافقاته والتفنن في قتل الرمز والمشترك بيننا.
تونسيون اجترأوا على حلم لم يرق “للسيد الكبير” فاغتالهم واغتال أحلامهم.
“رواية غصّة” هي من أدب السجون وأدب المحن ، رَسْمٌ بالكلمات يصوّر فيه “البشير دراڨا” كيف وأدت هذا البلاد في تلك الديكتاتوريةة المظلمة نساءها ..وكيف كانت المرأة ،وهي أكثر الشرائح هشاشه عرضة للتنكيل والمساومة والتبخيس والإذلال.
في مصر يقال : “إلّي بنى مصر كان في الأصل حلواني “..
هنا ..وعندنا.. عنما نسترجع دفتر الذكريات والتاريخ، من بنى وشيّد هذه البلاد هي قطعا..” المرأة “..بصبرها وجلدها وحيلتها علىى الزمن المتقلّب القاسي.
قد تكون الكتابة عند بشير الخليفي وجيله ومن شابهه وفي جانب منها حِصصا للعلاج والتفريغ النفسي وإصرارا على الكلام والحديثث بصوت مرتفع بعد عقود تكميم الأفواه التي عشنا ، لكنها لا تخلو من الجانب التوثيقي وإن كانت الكتابة من جنس الرواية..
اليوم وبكل أسف وبسبب المناكفات السياسية نزدري معاناة جيل من التونسيين دفعوا الضريبة بل فينا من يلومهم ليحاكموا ظلماا ومرتين، مرة على يد الجلاد وأخرى على يد الضحية، وهو الحكم الأكثر إيلاما.
تدور أطوار الرواية حول “حياة ” التي اغتيلت طفولتها وأحلامها وشباها وشرفها وتكسّرت شوكتها على يد جلاديها واستحالت حياةة “حياة” وحياة العائلة وحياة المحيطين إلى ما يشبه الموت المؤجل أو الموت الذي يتجدد ويتلوّن..
الأنثى “حياة ” ..والبلاد ” الحياة ” ولا أحد يريد للحياة أن تحي.
قد تكون حكاية “حياة ” معلومة لدينا ،ففي كل قرية وحيّ “حياة ” لكن “حكايات الحرف ” هي الباقية الخالدة والأكثر وثوقا منن التداول الشفوي الذي يتحوّل أحيانا وبمرور الوقت إلى ضرب من الأسطورة والخيال ..
رواية هي شهادة حتى تكون “حياة ” شاهدة يوم نغتسل من أدران الماضي وندخل العالم والجديد وقد أجبنا عن سؤال : بأي ذنبب وئدت أحلام فتاة كانت تحلم بعالم الصحافة والمجد والنبوغ لينكّل بها؟؟ بأي ذنب تغتال الانسان فينا ؟..حتى لا تتكرر المأساة.
“رواية غصّة ” إمّا أن تقرأها في جرعة واحدة أو ن تتركها .وإن قرأتها عليك أن تستجمع الشجاعة والصبر ونزع حجاب الانتماءء السياسي أو الإيديولوجي ما استطعت والاعتراف بالذنب أحيانا.
بعد “دراقة ” ومدغور ” يواصل بشير الخليفي أدبا ورواية إبلاغ صوت المنسيين المكلومين والمضطهدين ، تفاصيل معاناتهم وحياتهمم المنسية قبل وأثناء وبعد المحنة مصرّا على مجابهة كلّ محاولات طيّ صفحة من تاريخ البلاد بل تمزيقها وفضح جريمة اغتيال الذاكرة ،وأن الجراح الوطن لا تُدواى إلاّ بعد أن تتطهّر.
لا يمكن أن تكتب صفحة جديدة قبل أن نراجع ما كتبنا ونصحح أخطاءنا حتى يكون كتاب التاريخ أمينا سليما من الأخطاء وقد ساهمم في كتابته الجميع وحتى لا نعود بعد عقود للإصلاح والتصويب وقد غاب شهود المرحلة.

 عبد الكريم مبارك
 16176795_10208634917285565_1141722679_n

لا تعليقات

اترك تعليق