ميديا بلوس-تونس-تحت عنوان “قراءة في خيارات الإصلاح التربوي في ضوء المعادلة التنموية-السياسية من أجل تحالف وطني للتنمية والتربية”، قدّم الدكتور مصدّق الجليدي رؤيته لذلك فيما يلي:

ما انتهى إليه نظري كأحد ناشطي المجتمع المدني على صعيدي الخبرة العلمية والميدانية أن هنالك خيارين بارزين لمباشرة ملف الإصلاح التربوي من قبل نشطاء المجتمع المدني والأحزاب والخبراء المتطوعين.
– الخيار الأول هو العمل ضمن تمشي الإصلاح التربوي الرسمي (أي المعتمد من قبل الحكومة ووزارة التربية) أو على هامشه (في حالات الإقصاء) وذلك بهدف معاضدة الأعمال الرسمية وشبه الرسمية (شركاء وزارة التربية). هذا الخيار يفترض أحد أمرين:
فإما أن المنظومة التربوية تتطلب فقط “استصلاحا” (كما جاء في أول وثيقة صدرت عن وزارة التربية عند انطلاق ما سمي بـ”الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية) في أفريل 2015. أي مجرد تحسينات وترميمات لإصلاح 2002.
وإما وجود إرادة سياسية جازمة لإنجاز إصلاح تربوي عميق، قد يصل إلى حدّ إعادة بناء المنظومة التربوية بأفكار وتدابير جديدة مع استخدام بعض العناصر القديمة التي ثبتت صلوحيتها.

الخيار الثاني هو العمل ضمن تمش مدني مستقل تماما عن التمشي الرسمي بهدف بلورة تصور جديد لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، على قاعدة الاستقلال والسيادة الوطنية. وهذا الخيار هو الخيار الذي لا مفرّ منه للقوى الوطنية الصادقة عند غياب الإرادة السياسية لفكّ الارتهان مع منظومة الولاء للخارج والخضوع لإملاءات القوى الأجنبية المتعارضة مع المصالح الوطنية.
غياب الإرادة السياسية لإصلاح وطني سيادي ناتج عن عدة عوامل خطيرة، من أبرزها تطبيق منوال تنمية يكرّس بالأساس خدمة مصالح الشركات ورؤوس الأموال الأجنبية وضمان حصول الرأسمال الداخلي التابع (الكمبرادور) على نصيبه من الأرباح اللامشروعة من ثروات البلاد وفائض قيمة الجهد الوطني في العمل والإنتاج.

لقد جربنا في الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، منذ ماي 2015، العمل على ما سميناه “تصحيح مسار الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية”، على أساس وجود شركاء وحلفاء مفترضين في اتحاد الشغل وفي الأحزاب وفي الكتل البرلمانية وفي المجتمع المدني وفي جمهور المربين والأولياء، يمكن أن يساعدوننا على إنجاز هذه المهمة. وما توصلنا إليه بعد عمل سنتين بصفة إجمالية، أمران:
أولا: التحسيس الواسع بأخطاء الإصلاح التربوي على المسار الرسمي وهناته وثغراته العديدة وبكونه إصلاحا يفتقد للاستقلالية والسيادة والعمق والعلمية والتشاركية والقيم الأساسية التي نص عليها الدستور علاوة على قيم حقوق الإنسان في نسختها الليبيرالية، التي تم التركيز عليها دون غيرها في مشروع قانون الإصلاح التربوي الجديد (نوفمبر 2016) الذي وقع تعطيل مروره للبرلمان إلى حد الآن.
ثانيا: استحالة ضمان تحقيق إصلاح تربوي ذي توجه سيادي وطني. وذلك لطبيعة السيستام السياسي-الاقتصادي المطبق فعليا وحاليا في مخالفة واضحة لبنود الدستور التونسي الناص على السيادة الوطنية والديمقراطية التشاركية والمحلية وعلى الهوية الوطنية العربية الإسلامية لتونس. وأبرز دليل على ذلك هو أن آخر محطة انتهى إليها هذا الإصلاح “الرسمي” هو تسليم مهمة الإشراف على إعداد المناهج التربوية لبيت خبرة فرنسي يمثل الواجهة الخارجية لوزارة التربية والحكومة الفرنسية، وهو نفس بيت الخبرة وهم نفس الخبراء الذين أشرفوا على مناهجنا التربوية زمن نظام بن علي. وأسباب غلبة هذا التوجه التابع للإصلاح التربوي الحالي عديدة من بينها طبيعة النخبة الحاكمة وتركيبتها ونوع توجهاتها واختياراتها السياسية، فضلا عن حالة الهشاشة المفزعة التي عليها الاقتصاد الوطني (اللاوطني) في الوقت الحاضر واستشراء الفساد على نطاق واسع في أجهزة الدولة وفي المجتمع. ولا نعتقد أنه بقدوم وزير التربية الجديد سيحدث تغير جوهري في مقاربة الإصلاح التربوي. أقصى ما يمكن انتظاره، مع تدعم الاتفاقات مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والمساعدات المالية المشروطة، هو بعض الترضيات الشكلية لبعض الأطراف الاجتماعية أو الحزبية المشاركة في الائتلاف الحاكم.
في ضوء هذا التقييم لوضع الإصلاح التربوي، لم يبق للفاعلين التربويين في المجتمع المدني والنشطاء السياسيين في الأحزاب الوطنية ذات الخيار الديمقراطي الاجتماعي والسيادي الوطني إلا التوجه نحو الخيار الثاني ضمن معادلة سياسية-مدنية مقاومة للتبعية وللاستجابة اللامشروطة للضغوط والإملاءات الخارجية.
يمكن القول إجمالا أنه لا إصلاح وطني سيادي في إطار هذه التبعية المخجلة واختلال التوازن المجحف لصالح القوى المالية الخارجية.
بهذا تصبح معركة التنمية ومعركة التربية معركة واحدة.
الآن على الخبير أن “يسكت” مؤقتا وإذا تكلم فبكلام المواطن ذي الروح المواطنية، وأن يتكلم الناشط المدني والسياسي بروح وطنية سيادية. لا تفيد الخبرة الوطنية إلا على أرضية سياسية سليمة ومتينة، أو بطريقة سالبة منطقيا، أي على وجه النقد والفضح، وهي موجبة قيميا بطبيعة الحال. وما استبعاد الخبراء الوطنيين وفرض الخبراء الأجانب، في الوقت الحاضر، لتسطير المناههج التربوية إلا دليل على اهتزاز تلك الأرضية السياسية وهشاشتها. يجب أن يقوم اليوم تحالف استراتيجي بين قيادات الإصلاح التربوي الوطنية وقيادات القوى السياسية الوطنية وقيادات القوى الاجتماعية المنحازة للسيادة الوطنية ومصالح عموم الشعب، ودلك من أجل إدماج مشروع الإصلاح التربوي الوطني الأصيل ضمن مشروع الحكم المنافح عن استقلال البلاد ومصالحها الحقيقية.
فمعا إذن من أجل توحيد القوى المواطنية لكسب معركة التنمية والتربية الوطنيتين السياديتين.
معا من أجل ميلاد التحالف الوطني من أجل التنمية والتربية.
هذه الدعوة موجهة إلى كل الجمعيات والشبكات التربوية والتنموية وكل المنظمات والأحزاب الوطنية المؤمنة بالدفاع عن استقلال تونس ومناعتها وسيادتها الوطنية.

لا تعليقات

اترك تعليق