ميديا بلوس-تونس-تحت عنوان “في تجاور القضايا… معاناة| (القتل الخطأ-القتل العمد–الحرابة)”، ننشر مقالا للأستاذ بشير العباسي:

1/ في البدء.

إنّ التّفكّر لا يهدأ.وإن هدأ انتكص.وكم من قضيّة تنخر فكر الأمّة الإسلاميّة. وفكرنا السّاكن للتّراث يرى أنّ القدماء كفونا المعاناة وبتّوا فيها.وفجأة يخرج الالتباس من قمقمه،فلا المدرّس مقتدر على صدّه وردّه وإيقافه. ولا عمالقة الفكر يُسْتَعَانُ بهم. بل نقتطع من المواقف التّنويريّة ما نريد. ونطمس ما لا نشتهيه أو ما صادم ما سكنّا إليه. ومن القضايا المتجاورة التّي ورّثت معاناةً أذكر ثلاثا. القتل الخطأ والقتل العمد والحرابة أو الجريمة المنَظَّمة. ويستوي في هذه الأخيرة الإجرام بجهة محدودة: قرية أو مدينة أو جهة تمتدّ شرقا أوغربا أوشمالا أوجنوبا. ولا نغفل عن الجريمة المنظّمة العابرة للحدود الدّوليّة والقاريّة. إنّ التّجاور والالتباس الاصطلاحي يربك الفكر، وينزّل حكم قضيّة مدنيّة، جريمة، منزلة دلالة ومصطلح آخر، فيربك المتكلّم ويأخذ من هذا لينزّله على غيره. ولذلك أرى واجب التّمايزوضبط الفوارق، حتّي يكون الموقف الفكري جليّا في غير لبس.

2/ القضايا.

أ/ القتل الخطأ. لعلّ مسألة القتل الخطأ أقلّ القضايا الثّلاث تنازعا،وإن كان لحظة الخطأ تنفلت الثّائرة ويمزّق الغضب الفطريّ قيوده.وقد ينتج عن انفلاته جرم أكبر. ولكنّ القانون المدنيّ كما الشّريعة[الآية القرآنيّة]ضبطا عقوبة هذه الجريمة الخطأ. وليس بين القانون المدني والنصّ إلاّ التّكفيرالرّوحي، الصّيام شهرين متتابعين توبة من الله.قال تعالى: “وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما” النّساء.92. إنّ تشريع تحرير الرّقبة كان بمثابة إحياء تلك الرّقبة المؤمنة التّي قتلت خطأ،بل كانت بابا عظيما لإبطال عادة الرقّ والاستعباد. فجريمة القتل الخطأ جرّت كفّارة إنماء اجتماعيّ وحريّة مفقودة. هذا وجه شرعيّ مغفول عنه، والقضاء المدنيّ ليس ملزما بالتّنصيص عليه بدلا من تحرير الرّقبة، وذلك بحكم إلغاء الرقّ بتونس منذ منتصف القرن التّاسع عشر 1845. ولكنّ علماء الشّريعة يذكّرون القاتل خطأ بأنّ عليه كفّارة الصّيام، عباة، كفّارة روحيّة. ولعلّ الآية: “وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلاّ خطأ…” النّساء92. تنبئ بأمرين: الأوّل تحجير القتل العمد. وهنا يتفرّع قتل الواحد أخيه بترصّد وإضمارٍ. ولكنّ هذا الإضمار قد يلتبس بطغيان الغضب والطّيش والاندفاع والتّخويف فقط. ولذلك ترى الجاني بمجرّد ذهاب الغضب والحنق يثوب إلى عقله فيبكي لوعة وحرقة لجرمه ولفقده أخاه. هنا تتفرّع أسئلة:كيف يكيّف المحقّق القضيّة؟ وما سندات الدّفاع قانونا؟ وبم يدلي لسان نائب الحقّ العام؟ وبم يقضي القاضي بعد كلّ هذا؟ هل ننزل إلى تمثّل خطاب مدرّس بمعهد أو إعداديّة أومدرسة ابتدائيّة أوخطيب جمعة أوصحفيّ أومنشّط إعلاميّ، ثمّ يقضي في القضيّة؟ إنّ الذي يحدث خَلْطُ أوراقٍ، واغتصابُ مناصب، وتدميرُ هيبة القضاء.

إنّ لسان الدّفاع نفسه يمتنع عن التّعليق عن الحكم بعد إفصاح القاضي. وليس للمتقاضين إلاّ تقديم طلب الاستئناف أو التّعقيب. ولن يسمح محترف القانون لنفسه بالتّعليق إلاّ بعد حين… القضاء له نظامه وتراتيبه… والدّفاع له ضوابطه ومسؤوليّته. كلّ منضبط. أمّا تجارة الإعلام ومزايدات افتكاك المواقع فليس من أخلاقيّات القضاء. ولذلك على المربّين والوعّاظ وخطباء المنابر أن يمتنعواعن افتكاك المواقع. بل وعلى زعماء الالأحزاب ورؤساء الجمعيّات أن يرفعوا راية علويّة القضاء. إنّ المسألة ليست تنظيرا بل إلجام إنسياب. لأنّ الدّولة تنخر بانفلات الانتظام. لذلك حين أكتب في هذه المسائل أستحضر الدّولة في تفكيري وضبط غاياتي.

ب/ القتل العمد. لقد عقّب الشّارع الحكيم، بآية خاصّة بأحكام القتل العمد، بعد آية القتل الخطأ. حتّى كأنّه بعد استبعاد قتل المؤمن لأخيه، إلاّ خطأ،ولّد حالة ممكنة. وهي القتل العمد. والحالة التّي استبعدها الوحي إلاّ أنّها ممكنة الحدوث. فبادر بتفريع هذه الحالة المستبعدة ولكنّها ممكنة، فقال: “ومن قتل مؤمنا متعمّدا فجزاؤه جهنّمُ خالدا فيها وغَضِبَ الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما” النّساء.93. حالة افتراضيّة، ولكنّ الشّارع الحكيم شرع لها حكمها عند وقوعها. وغلّظ ترهيبا للنّفس فلا تسوّل له قتل أخيه. فكان الوقع يزلزل الكيان. وكان الجزاء: جهنّم. لماذا لم تُبادِرْ الآية بذكر القصاص؟ ابحث عنه بالمجهر لن تظفر به… لأنّ المسألة تربويّة. إعداد للمؤمنين حتّى ينتظم اجتماعهم على أساس حفظ الأنفس. حفظ الحياة مقصد. وخوّف بالخلود في نار جهنّم. ولم يرهّب بالأبديّة (أبدا)، وما كانت هذه الصّيغة إلاّ تلميحا لإمكانيّة الرّحمة بعد العذاب الأخرويّ. قال العلاّمة ابن عاشور:”… ولكنّه في حمل مطلق الآية على الأدلّة التّي قيّدت جميع أدلّة العقوبات الأخرويّة بحالة عدم التّوبة فأمّا حُكْمُ الخلود فحَمْلُهُ على ظاهره أوعلى مجازه، وهو طول المدّة في العقاب، مسألة أخرى لاحاجة إلى الخوض فيها حين الخوض في شأن توبة القاتل المتعمّد وكيف يُحْرَمُ من قبول التّوبة، والتّوبة من الكفر،وهو أعظم الذّنوب مقبولة، فكيف بما هو دونه من الذّنوب” التّحرير والتّنوير. ج5.ص165.طبعة.1984. هذا في شأن قبول الله توبة القاتل عمدا. فكيف لا يتشبّه التّقاة بصفة الله؟لماذا نقتل النّفس بتيئيسها من رحمة الله؟ لقد أنبأنا الله عن رحمته فقال: “ورحمتي وسعت كلّ شيء”الأعراف 156… الواعظ يقرّب النّاس من الرّحمان. ولا ينفّرهم. ثمّ لنتأمّل ما ضبطه ابن عاشور في تفسيره الآية: “وحمل جماعةٌ مرادَ ابن عبّاس على قصد التّهويل والزّجر، لئلاّ يجترئ النّاس على قتل النّفس عمدا، ويرجون التّوبة، ويَعْضُدون ذلك بأنّ ابن عبّاس رُوي عنه أنّه جاءه رجل فقال: “ألمن قتل مؤمنا متعمّدا توبة؟ فقال” لا إلاّ النّار” فلمّا ذهب قال له جُلَساؤه” أهكذا كنت تفتينا فقد كنت تقول إنّ توبته مقبولة” فقال” إنّي لأحسب السّائل رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك، وكان ابن الشّهاب إذا سأله عن ذلك مَنْ يَفْهَمُ منه أنّه قَتَلَ نفسا يقول له “توبتك مقبولة”وإذا سأله مَنْ لم يقتُل، وتوسّم من حاله أنّه يحاول قتل نفس، قال له: لا توبة للقاتل.” نفس المصدر .ص.165. لوتمكّن الدّارسون من هذه النّصوص لانتبهوا إلى تكييف الأجوبة. فلاتكون الفتوى استنساخا. وهذا الذي لم يعه قليلو التّملّك فينزّلون الأحكام المكتوبة في كتب الفقه تنزيلا دون تعليل. ولا إدراك للغاية التّربويّة والتّكوينيّة والإصلاحيّة. فيكرّرون الفتوى دون حيثيّات ولا تعليل. إنّ القضاء المدنيّ يتمسّك بالحيثيّات فيثرَى تجدّدا. وأمّا الغضب فهو ترهيب للنّفس وإلاّ فإنّ غضب الآدميّ يسكن.ورحمة الله تسبق غضبه وعذابه. فهل نحن ننتصب بدلا عن الله المنتقم،أم خلفاء الرّحمان؟ لنتبيّن. وأمّا اللّعن فهو طرد. وإبليس لمّا لعن سأل الله أن يرجه إلى يوم يبعثون فنال طلبه: “قال ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون36.قال فإنّك من المُنْظَرين37.إلى يوم الوقت المعلوم” الحِجْر38… فلماذا إذا أجرم أخونا الآدميّ المؤمن لعنّاه أبدا؟ ثمّ أختم المحاورة بما ذكره العلاّمة ابن عاشور في تفسيره “خالدا”فقد حرّرما يلي: [وقوله”خالدا فيها”محمله عند جمهورعلماء السُّنَّة على طول المُكْثِ في النّار لأجْلِ قتل المؤمن عمدا، لأنّ قتل النّفس ليس كفرا بالله ورسوله، ولا خلود في النّار إلاّ للمشرك، على قول علمائنا من أهل السُنَّة، فتعيّن تأويل الخلود بالمبالغة في طول المُكْث، وهو استعمال عربيّ قال النّابغة في مرض النّعمان بن المنذر: ونحن لديه نسأل الله خُلْدَهُ يَرُدُّ لنا مَلْكا وللأرض عامِرا. ومحمله عند من يُكَفِّرُ بالكبائر من الخوارج، وعند من يوجب الخلود على أهل الكبائر، على وتيرة إيجاب الخلود بارتكاب الكبيرة”ج.5ص.164.ط.1984. لقد اتّضح المطلوب. فنحن أهل السنّة لا نكفّر بالكبيرة. ومن كان على غير مذهبنا فهو برأيه حرّ. ولكن ليس له إكراهنا ولا تكفيرنا ولا ينكر علينا رأينا. وجملة القول أنّ التّغليظ كان بغاية الزّجر… وللقارئ أن يتأمّل خاتمة سورة البيّنة. فالعذاب يقرن بالخلود دون الأبديّة. والنّعيم يقرن بالأبديّة، قال سبحانه:” أنّ الّذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نارجهنّم خالدين فيها أولائك هم شرّ البريّة 6. إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات أولائك خيرالبريّة7. جزاؤهم عند ربّهم جنّات عدن تجري من تحتها الأنهارخالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربّه” البيّنة.8. خلاصة قولنا “بشّروا ولا تنفّروا ويسّروا ولا تعسّروا” و” إنّ المُنْبَتَّ لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع”… ومثله”هلك المتنطّعون”. تأمّلوا الرّحمة. فإنّ الشّريعة كلّها رحمة. كذا نبّه الشّاطبيّ في الموافقات. وعلّق بما مجمله: “إذا وجدتّ ما يناقض الرّحمة فهو ليس من هذه الشّريعة. إنّ آية-93-من سورة النّساء، لم تكن تشريعيّة كالتّي قبلها. بل كانت تربويّة وعظيّة زاجرة بغاية الانتباه ويقظة الضّمير والوعي. ولم يكن القرآن ليكرّر دون تأسيس جديد.وإضافة بنّاءة. ولذلك أرشدنا حذّاق أصول الفقه بأنّ التّكرارليس للتّوكيد فقط. بل لتأسيس معنى جديدا تحتاجه الأمّة.ومثاله قوله سبحانه: “فسجد الملائكة كلّهم أجمعون “الحجر30. فيه بيان لهيئة السّجود، جماعة لا فرادى. فظهر فضل الجماعة على الفذّ بسبع وعشرين درجة. إنّ القول بالإعدام يظلّ حقّا لأهل القتيل. ولكنّ القاضي وحده ينطق بالحكم. وهيئة العدالة تضبط متى ينفّذ الحكم وكيف وأين؟ ولحاكم المسلمين كما في دول العالم كلّه أن يحطّ من العقوبة أو يمنع الإعدام… تلك إجراءات للحاكم لا لعامّة النّاس. فإن لم نع اللّحظة فنحن نضيّع أجيالا، ونلبّس عليهم ونضرّ بالدّولة. إنّا نحتاج وعيا.

ج/ الحِرابة أي الجريمة المنظّمة. نخلص إلى القضيّة التّي أربكت أهل الشّريعة،والتبس عليهم الأمر. فإنّ مسألة أهل الحرابة في كتب الفقه ضبطت أحكام وضعيّاتهم. ويظلّ القضاء المدنيّ المخصّص وحده الماسك بالأمر. وليس لأحد الاستثمار فيه. ولا التّلبيس على النّاس، المواطنين، وآية الحرابة معلومة في اصطلاح الفقهاء.قال تعالى: “إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيدِيهِم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم 33. إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تقدرواعليهم فاعلموا أنّ الله غفورٌ رّحيم”المائدة34. هذه آية تشريعيّة واحدة. تتكوّن من فاصلتين، الثّالثة والثّلاثين والرّابعة والثّلاثين. ولو انتهجنا منهجا من المقصد العامّ إلى التّفصيل والتّخليلات الجزئيّة. للاحظنا أنّ الحرب تشنّ على”الله”. فمن يملك قدرة على محاربة الله؟. فالله تعالى لن ينال. المعيّة “ورسوله”، هل الآية تجمّد بزمن الرّسول أم حكمها خالد ماض في الأمّة؟ وبعبارة أدقّ في الدّولة الإسلاميّة.؟ إنّ المقطوع به عموم الشّريعة وخلودها. فيكون القصد “المعنى المستفاد من الدّلالة أنّ المؤسّسات التّي تخضع لشريعة الله وتبليغ الرّسول عنه سبحانه،هي مؤسّسات الدّولة بهياكلها وتنظيماتها الإداريّة ومنها القضائيّة. بهذه الدّلالة والمعاني العقليّة المستفادة من ثراء اللغة يستقيم بها المعنى ويتحقّق خلود الشّريعة، وانتظام الدّولة تحت ظلالها،أو في ضوء شمسها وأنوار أقمارها. الملاحظة الثّانية، الانتباه إلى ختم الآية، والموازنة بين أوّلها وآخرها.فلئن كان أوّل الآية زاجرا، فإنّ خاتمتها كانت غافرة راحمة.”غفور رّحيم”. وعلى المنتصب للتّشريع أو القضاء أو إمضاء الأحكام أن يرعى الحدّين. فهو في فسحة،وفي مساحة ما بين الحدّين يتحرّك ويقضي. لانكاية، ولا تساهلا. بل هوالعدل. إذا اتّضح التّأطير، وبانت الفسحة، لنسمح للجادّين بالضّرب عقلا طلبا للصّلاح.

*/ الحرب والسّعي في الأرض فسادا. إنّ الحرب تظلّ ممقوتة ويجب التّصدّي لموقظها بنفس السّلاح بل بأصلح منه منعا للفساد وردعا له ولأمثاله قبل إقدامهم. توازن القوّة مطلوب ليرتدع المفسدون المجرمون. ولذلك قال تعالى:” وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة”الأنفال.60. ولعلّك تنتبه إلى مصطلح “الأرض” فلك أن تجعلها محدودة بحدود الدّولة. أن تنتبه إلى كلّ أقطار الأرض. بل الأرض اليابسة والبحر.لأنّ الفساد ظهر في البرّ والبحر بما كسبت أيدي النّاس. قال الشّارع الحكيم: “ظهرالفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي النّاس لِيُذِيقَهُم بعض الّذي عملوا لعلّهم يرجِعُون”الرّوم 41. وإنّ الآية لحاملة على التّدبّر. فالله لا يحبّ الفساد.فلمّا ظهرالفساد، بمعنى برز وأصبح ظاهرا للعيان ومنتشرة أخباره، شرع الله أحكامه الزّاجرة [يقتّلوا/ يصلّبوا/ تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف/ ينفوا من الأرض] هذا التّشديد الدّال عليه نطقك بلسانك ووقع جرس الصّوت في سمعك يجعلك تزدجر .وتنزجر. بل انتبه إلى الذّوق، فلابدّ أن يتتخيّل المجرم نفسه يذوق هذه الشدّة قبل نزولها به. وهذا “بعضٌ”. فلو نزلت به حقيقة لكانت أنكى. فإذا نظرنا في”الخزي” فإنّه كان في الدّنيا،أي النّاس يخزونه ولا يشفعوا له. فيتّعظ كلّ من توسوس له نفسه بهذه الجريمة النّكراء… الأحكام المدنيّة زواجر. وأمّا “النّفي من الأرض”فإمّا تغييب له بالقتل وهو في بطن الأرض. أوينفى خارج حدود دولته. أو مقرّ إقامته. فهو في دهاليز السّجون. أو مسجونا في جزيرة منقطعة، فهو منبوذ. فالمعاني متساوية وممكنة الاحتمال. والقاضي وحده هو المؤهّل للفصل. ولحاكم الدّولة أن يشير سياسة بما يراه أردع لأمثال تلك الجرائم. ههنا تتعاضد السّياسة والقضاء من أجل أمن الدّولة وصيانة وحفظ حريّة المجتمع. إنّ التّشنيع بالجريمة المنظّمة تكون أكبر وقعا حال مشاهدة النّاس للنّكال بالمجرم. ولذلك كان التّشديد لغة، فحضور تنفيذ الحكم أو الإخبار به فيه ترهيب مماثل للمجرم. ولذلك لم يرِدْ حُكمٌ من بين المتعدّد إلاّ بالتّشديد وذلك خزي لهم وزجر لأمثالهم. أمّا تنوّع الأحكام المبوّبة فهي تنزيل لكلّ حكم بما يناسب الجريمة.هذا عدل. وللحاكم أن يضيف تعزيرا أشدّ زجرا لمن تحدّثه نفسه باقتفاء فساده وجرائمه.هذه سياسة شرعيّة.ولذلك قضى رسول الله في قاتل المرأة راضخا رأسها بحجر أو على حجر قضاء سياسة شرعيّة وليس فقه مسجد وفتوى. [يراجع كتاب أقضية الرّسول] فالأحكام المرتّبة تحتمل التّنزيل بالتّدريج بما يتناسب والجريمة وكيفيّات وقوعها. كما يحتمل تخييرا بين متعدّد لأردعها وأنجعها في قطع دابر الجريمة المنظّمة. وتتوّج الفاصلة الأولى بالوعيد في الآخرة. فالأحكام لها بعد دنيويّ وبعد أخرويّ.

**/ العفو. إنّ هذه الشّريعة تطلب الإصلاح. قال تعالى: “إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله..”هود88. ولذلك لو يلتفت النّبيه إلى “الذين يحاربون الله ورسوله” و”الذين تابوا” للاحظ أنّ الحكم لم يكن مرتبطا بالمعتقد. بل إنّ المجرم المحارب للدّولة قد يكون من غيرالمؤمنين ولكنّه مواطن. وقد يكون متسلّلا عابرا للحدود بإذن [أي بتأشيرة] أو بدون إذن. والتّوبة هنا أقرب للدّلالة على القطع مع الجريمة من تلقاء نفسه. وقد يكون لدينه إن كان ذا دين. فتوجّه القرآن بفحوى الخطاب للّذين آمنوا بالله ورسوله. بالشّريعة. فإذا انتبهنا لهذا أدركنا أنّ الدّولة تحمي كيانها. ولذلك تلحظ إشارة الرّبط بين الفاصلتين 33/34. بنداء “يا أيّها الّذين آمنوا” ثمّ أرشدهم. فقال: “اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلّكم تفلحون” المائدة35. ولعلّك لووصلت هذه بما سبق لأدركت ما يلي:

أ/ تقوى الله: أي اعملوا بما شَرَعْتُ لكم. ولا تطغوا فتجاوِزوا ما شُرع إليكم إلى حدّ البطش والظّلم والانتقام ولو تابوا وألقوا السّلم… والفقهاء ضبطوا ذلك.

ب/ ابتغاء الوسيلة: وَفِّرُوا الوسائل القاطعة لدابر المحاربين للدّولة المرهبين للنّاس. وهذه الوسائل مادّيّة من سلاح وفنونِ مطاردة الجريمة، ومعنويّة تربويّة تكوينيّة.

ج/ الجهاد: ملاحقة المجرمين ومواجهتهم في كلّ مكان مواجهة ماديّة أو إعلاميّة أو تشريعات قانونيّة محليّة أومنظّمات اتّحاديّة أودوليّة. كلّ ما يقطع دابر الجريمة المنظّمة. وتلك من ابتغاء الوسيلة كذلك. والجهاد أعمّ من القتال. فالقتال مواجهة منظّمة أمكنة ووسائل وأزمنة. أمّا الجهاد فاستفراغ الطّاقة في كلّ آن ومكان. قصد صدّ الفساد والعدوان ومحاصرة الجريمة. وأكملها التّكوين والتّعليم وإرساء العدالة وتأمين الحدود… إلخ.

د/ الغاية والمقصد: إنّه الفلاح. بتأمين الفرد والجماعة والمؤسّسات والدّولة والعالم بأسره. الجريمة المنظّمة لها شبكاتها. فعلى الدّول أن تتعاون كلّها ضدّ الجريمة المنظّمة العابرة للقارّات والمهدِّدة لكيانات الدّول. الفلاح أن يؤمّن العالم برّا وبحرا وجوّا. وأن يشنّع بالمجرمين وأن نثقّف الشّعوب.

3/ الخاتمة. لعلّ هذا العمل فرّق بين المصطلحات. وأزال المُشكل منها، فأبان الفواصل والحدود ويسّر على الباحث الطّريق إلى الحقّ. وعدم اتّهام الشّريعة بالشّناعة والإرهاب. ولعلّ العمل ميّز بوضوح تامّ، وإن كان الكمال غاية لاتدرك، بين حكم القتل الخطأ وبين حكم القصاص في القتل العمد في غيرالجريمة المنظّمة والمعبّرعنها في كتب الفقه بـ”الحرابة”. فلكونه قتلا عمدا،شرع حكم القصاص زجرا. ولكونه غير منظّم وفيه نسبة من شكّ، بسبب الغضب والحمق وغفلة العقل والورع والوازع. فكانت الرّحمة بالعفو على الجاني وذلك خيارمن أعقل أهل القتيل ومن أقدرهم على ضمان الأمان إن أبرم العفو. والدّولة وليّ قويّ يملك الضّمان وقهر المجرم المتربّص وضمان الأمان. وفي الهجرة أمن واحتياط. وفي التّكوين الدّيني والقانوني والتّربوي والثّقافي والإعلامي تعاضد من أجل حياة، والله تعالى لم يشرع إلاّ[حياة] فقال “ولكم في القصاص حياة” تأمّلها ياصاحب اللّبّ لغة ثمّ مشاعرَ رحمةٍ. أمّا لغة فالحياة بالتّعريف عزّ وعلوّ همة بين النّاس. والقاتل تَرْهَقُه ذلّة جريمته وتعلوه مهانة مذلّته. فكانت”حياة”. أمّا الجريمة المنظّمة والعابرة للقارّات فإنّ الأحكام فيها كانت مغلّظة. بدلالة نطقك بلسانك، ودلالة تتاليها. ودلالة انتقالها من الأدنى إلى الأشدّ… تأمّل الآية نظما. تهتدي. ثمّ يتوجّ الأمر التّشريعيّ كلّه بأنّ الله غفور رّحيم. والتّبشير إيحاء فلاح… أليس كذلك؟ ثمّ إنّ المقاصديّين عنونوا المصلحة بـ”مصلحة الحياة”ولم يعنونوا بـ”الموت”. لأنّ الحياة غاية وجودك الدّنيوي، وأمّا الموت فبوّابة الآخرة. ولوتأمّلت بهدوء ورحمة وتؤدة بدل العجلة والغضب لتوقّفت عند صياغة الآية. إنّ حرف اللّام في “لكم” نقيض “على”ولو قال الله”عليكم بالقصاص” لسكتّ. ولكنّ الرّحمان عبّر بـ”لكم” لفتا للرّحمة والعفو حتّى توهب حياة لمن هو ساكن للموت قصاصا. وأمّا في آية الحرابة فلم نلحظ إلاّ التّشديد حالة المحاربة. ولم يعقّب بالرّحمة إلاّ بعد التّوبة قبل القدرة عليهم. فكانت الحياة مقصد الشّريعة لا الإماتة اتقاما. الحدّ ليس نقبة بل إنّه زاجر، قصد منع الجريمة. إنّ فقهاء الأمّة لم يكونوا ضدّ العفوولاضدّ الرّحمة. ولن يكونوا.ثمّ إنّي لأعجب من دعاة قطع اليد بالسّرقة الأولى وقطع الرّجل المخالفة لليد المقطوعة في السّرقة الثّانية،ثمّ اليد اليسرى إن عاد ثالثة ثمّ الرّجل اليمنى إن عاد رابعة. ولم يلتفتوا إلى واجب الدّولة بالتّربية والإصلاح والعلاج النّفسي. والأدهى والأمرّ أنّ السّارق ليس من “أهل الحرابة” فكيف نقلوه إلى حدّ الحرابة؟ وأخيرا أدعو النّاس إلى قراءة ما حرّره ابن عاشور في حدّ السّرقة.لمّا فسّر الآية: “والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم 38. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه إنّ الله غفور رّحيم”المائدة.” وقوله: “فقطعوا أيديهما” ضميرالخطاب لولاّة الأمور بقرنية المقام… فإن سرق ثانية قال جمهور الأئمّة: تقطع رجله المخالفة ليده المقطوعة. وقال عليّ بن أبي طالب: لا تقطع ولكن يحبس ويضرب.وقضى بذلك عمر بن الخطّاب، وهو قول أبي حنيفة، فقال عليّ: إنّي لأستحي أن أقطع يده الأخرى فبأيّ شيء يأكل ويستنجي، أو رجله فعلى أيّ شيء يعتمد، فإن سرق الثّالثة والرّابعة فقال مالك والشّافعيّ: تقطع يده الأخرى ورجله الأخرى، وقال الزّهري: لم يبلغنا إلاّ قطع اليد والرّجل لا يزاد على ذلك… (وختم ابن عاشور برأيه فقال: ويجب القضاء بقول أبي حنيفة فإنّ الحدود تدرأ بالشّبهات وأيّ شبهة أعظم من اختلاف أيّمة الفقه المعتبرين”ج6.ص192. إنّ ابن عاشور عرض الآراء ثمّ بتّ. وكان تثمينه لرأي الصّحابة عليّ وعمر. ثمّ عزّز برأي أبي حنيفة كبير الفقهاء. فإن كان هذا ألسق بعهد النّبوّة فكيف نؤخّره إلى أراء لا نعلم تعليلها؟ ثمّ هي أبعد عن الذّوق السّليم،وتمثّل الكرامة الآدميّة. الإمام عليّ علّل بالذّوق الرّفيع والبعد الأخلاقي. أليس الحياء شعبة من شعب الإيمان؟ فكيف نقضي بخلاف منطوق النصّ والحياء؟ أمر عجاب… أليس كذلك؟

لا تعليقات

اترك تعليق