ميديا بلوس-تونس-يقدّم الدكتور حبيب حسن اللولب رئيس مركز(جمعية) البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي الكبير، قراءة وتشخيص لظاهرة العنف ضد الأطفال من خلال البرامج التربوية التونسية (1956-2016).

مقدمة:
العنف ضد الأطفال هي ظاهرة دخيلة عن المجتمع التونسي الذي هو بطبعبه مجتمع مسالم مع كل فئاته وطبقاته وينبذ العنف بكل أشكاله ويرفض مبرراته، لكن هناك حالات استثنائية قد تكسر القاعدة إلا أنها لا تعدو أن تكون حالات عابرة تزول بزوال مسبباتها وهو ما نقف عليه في هذا المقال، حيث اتخذت ظاهرة العنف ضد الأطفال بالبلاد التونسية، عدة أشكال وأوجه المادية والمعنوية من قبل الفرد والمجموعة والدولة، ومنها البرامج التربوية والتعليمية(1956-2016)، التي أسقطتها الدولة وطبقتها على الناشئة، بدون البناء والتأسيس على الموروث والتراكمات الحضارية والتاريخية والثقافية والتعليمية، واستيراد مشاريع وتجارب أجنبية ليس لها علاقة بالبيئة وواقع المجتمع التونسي، والتي كانت لها نتائج سلبية ومدمرة على المجتمع والأسرة، وأصبح الطفل ضحية من ضحايا العنف، وضمن هذا المنظور وفي سياق التعرف على هذه الظاهرة الغريبة وغير النافعة، بل المهددة لاستقرا وسلامة المجتمع والأسرة التونسية؛ تأتي هذه المقالة للتعرف على خلفية ظهورها وانعكاساتها على الطفل التونسي؟ أسباب اعتماد السلطات التونسية لإجراءات إقصائية متطرفة ولدت تطرفا مضادا؟ النتائج والآثار المترتب عن نمو الظاهر وتهديدها لسلامة الأفراد والأسرة والمجتمع (1956-2016)؟ سبل مقاومتها والإجراءات أووصفة العلاج الممكنة لتخطي أثارها والتخلص منها؟.
سنعتمد منهجي التقصي والتحليل في تتبع الظاهرة ورصد نتائجها وأثارها الخطيرة على الطفل التونسي، مستفيدين من الدراسات والأبحاث العلمية النفسية والتربوية وسوسيولوجية، التي تناولت الموضوع والنتائج المتوصل إليها لعلاج الظاهرة ووقاية الطفل التونسي منها، وقد قسمت بحثي إلى مرحلتين.
المرحلة الأولى: الجمهورية الأولى (1956-2011)
يمكن تقسيمها إلى فترتين أساسيتين:
*الرئيس الحبيب بورقيبة (1956-1987)
*الرئيس زين العابدين بن علي (1987-2011)
1- الفترة الأولى الرئيس الحبيب بورقيبة (1956-1987)
قبل الحديث عن مرحلة الرئيس الحبيب بورقيبة تجذر الإشارة إلى الفترة الاستعمارية الفرنسية، لأن فترة حكم الرئيس بورقيبة تأثرت كثيرا بالمرحلة الاستعمارية، هذه الأخيرة عملت على محاربة التعليم القديم، كما أن فرص التعليم في المدارس الفرنسية الحديثة كانت حكرا على الرعايا الفرنسيين والأوربيين المتواجدين بتونس وفئات قليلة جدا من الأطفال التونسيين يتم انتقاءهم بمعايير عنصرية بحسب الولاء والمصلحة، هذه المدارس كانت تقدم تعليما وفق برامج ومقررات أوروبية ولا تأخذ بعين الاعتبار الهوية والشخصية التونسية الأصيلة، فتصدت لها مؤسسة جامع الزيتونة والمدارس التقليدية التابعة لها ومدارس الزوايا والطرق الصوفية، لكن وبعد أن استرجعت البلاد التونسية استقلالها في مارس 1956، دخلت في صراع سياسي،حول المشروع الحضاري والثقافي المزمع تطبيقه وتبنيه لدولة الجديدة، بين اتجاهين الأول زيتوني –طرقي بزعامة الأستاذ صالح بن يوسف الأمين العام السابق لحزب الحر الدستوري الجديد،الذي طالب ونادي بإصلاح التعليم الموجود والاستئناس بالتجارب الغربية، والثاني لائكي العلماني بزعامة الإستاذ الحبيب بورقيبة رئيس السابق لحزب الحر الدستوري الجديد، الذي طالب بالقطيعة مع الماضي والموروث الحضاري والثقافي، ونادي باستيراد المشروع التربوي والتعليمي الفرنسي لتطوير التعليم، واعتبار برامج التربوية والتعليمية واللغة الفرنسية غنيمة حرب، وكان هدف الرئيس بورقيبة هو إحداث نقلة نوعية لتونس ويحولها من مجتمع أهلي قبلي عروشي إلى مجتمع مدني حضري بمعايير أوروبية يمكنه أن يساهم في نهضة وتطور تونس، وانتصرت مجموعة الأستاذ الحبيب بورقيبة على خصومهم بدعم فرنسي، وقامت بتصفية جناح المعارض،وخلت لها الساحة من المعارضة، ومن تبعاته اتخاذ عدة إجراءات وقرارات رجعية عجزت فرنسا على اتخاذها خلال فترة احتلالها لتونس من (1881-1956)، وكانت لها نتائجها سلبية كارثية، على شخصية الطفل التونسي والتي أصبحت غير متوازنة ومتذبذبة وتعاني من الانفصام واستلاب ثقافي وحضاري، ومن هذه القرارات هي:
1-غلق مؤسسة جامع الزيتونة ومعاهدها وتفكيكها، وإلغاء التعليم الديني، والتي كانت تدرس العلوم الدينية واللغات وحساب والفيزياء وعلم الأحياء والفلسفة واللغة العربية، وتخرج منها الألف من التونسيين، وهي مؤسسة عريقة متجذرة في التاريخ، وساهمت في النضال الوطني ونشر الوعي.
2- إلغاء وحل مؤسسات الطرق الصوفية والزوايا وغلق مدارسها، والتي قامت بدور إنساني واجتماعي وثقافي وتعليمي وديني.
3-حل مؤسسة الأوقاف والأحباس، والتي قامت بدور اجتماعي وإنساني واقتصادي.
4-اعتماد البرامج التربوية الفرنسية واللغة الفرنسية في التدريس، محل اللغة العربية والتي همشت.
5 -غلق الكتاتيب القرآنية بالجوامع والمساجد، والتي قامت بدور تعليمي وبتحفيظ القران الكريم وقدمت دروس للأطفال في الأخلاق والحساب واللغة. اتخذت الدولة الوطنية هذه القرارات في حق الناشئة التونسية، والتي أثرت على شخصية الطفل التونسي، وضربته في عمقه الحضاري والاجتماعي، وفي صميمم موروثه الثقافي، وتمت مقاومتها من قبل المجتمع والأسرة والنخبة التعليمية والثقافية، المتخرجة من جامع الزيتونة ومعاهده والمعهد الصادقي ومدارس الزوايا والطرق الصوفية ،وتأجيل نتائجها إلى جيل آخر، وقد عرفت البلاد التونسية أيضا محاولة إصلاحية، قام بها وزير التربية والوزير الأول السابق الأستاذ محمد مزالي (1979-1986)، وللأسف تم وأدها وإفشالها، بسبب قوة التيار الفرانكفوني اليساري،المتوقع في مفاصل الدولة التونسية، ونتائج قرارات الرئيس الحبيب بورقيبة ستؤتي ثمارها ونتائجها العكسية، خلال فترة الرئيس زين العابدين بن علي (1987-2011)، بانسلاخ واستلاب ثقافي والحضاري، وتفكك الاسرة التونسية، التي عرفت أعلى معدلات الطلاق في الوطن العربي، وتصحر على كافة المستويات.
2- الفترة الثانية: الرئيس زين العابدين بن علي (1987-2011)
تولى زين العابدين بن علي الحكم اثر انقلاب الأبيض على الرئيس الحبيب بورقيبة، بعد عجزه عن تسيير دواليب الدولة، بسب كبر سنه ومرضه من (1987-2010)، وهو استمرارية ومواصلة لنظام السابق في توجهاته الفكرية والسياسية والثقافية والتعليمية، ونتائج قرارات الرئيس الحبيب بورقيبة (1956-1987) ،ستعطي نتائجها بغياب النخبة الوطنية التي قاومت مشروع، بسبب تغيب الموت لها، وأصبحت الساحة تشكو فراغ فكري وثقافي وتعليمي، وفي عهد الرئيس زين العابدين بن علي أزداد الوضع أكثر سوءا، وقبل ذلك تجذر الإشارة إلى أن فترة حكم بن علي واكبت انهيار المعسكر الاشتراكي وانتشار النموذج الليبرالي الحر الذي أعطى دفعة قوية لاصلاحات بن علي التربوية، كذلك انتشار المنظمات غير الحكومية الدولية التي شجعت هذا النهج، وأصبحت الساحة التونسية خالية من العلماء والمفكرين ورجال الدين، وباتباع سياسة أكثر تطرف وغلو واستبداد وإقصاء وتهميش ورفض الأخر، وتجفيف منابع الهوية العربية الإسلامية من البرامج التربوية والتعليمية، منذ تولي الأستاذ محمد شرفي الإشراف على وزارتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي، وتم دمجهما وتسميتها بوزارة العلوم، وتغلغل التيار الفرانكفوني اليساري المتطرف في المؤسسات الجامعية والتربوية، وعرفت البلاد أيضا مشروع إصلاحي آخر عندما تولى الأستاذ أحمد فريعة الإشراف على هذه الوزارة ولكن سرعنما ماتم إبعاده من الاشراف وإفشال مشروعه، ونشرت كذلك ثقافة ما عرف “بمهرجانات الفولكلورية والرياضة”واليانصيب”PROMO SPORT”؛ مما أدى إلى تخريج دفعات متطرفة من اليمين واليسار، وإلغاء معاهد العليا للأساتذة، ومدارس الترشيح المعلمين، مما تسبب في ضعف التكوين والتأطير، والاعتماد في التدريس على معلمي وأساتذة عدمي الخبرة والتكوين البيداغوجية، وإلغاء مناظرتي اختتام شهادة الابتدائية والإعدادية، والتي أصبحت اختيارية، وتسييس البرامج التربوية، وتطبيق العديد من البرامج المستوردة من الخارج مثل (البلجيكي والكندي…)، وأصبح الأطفال التونسيين فئران لتجارب البرامج التربوية والتعليمية، وتدخلت الدول الغربية وخاصة فرنسا، والمنظمة الفرانكفونية والمنظمات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المنظومة التربوية والتعليمية، وهي فعلا مأساة الشعوب والدول التي لاتتحكم في قرارها السياسي والسيادي، وتعيش على الصدقات والهبات والقروض والتوصيات.
وشعار هذه الحقبة هو البرامج التربوية واللغة الفرنسية غنيمة حرب وضرورة المحافظة عليها، والانخراط في الفعلي في المنظمة الفرانكفونية ،والتي أشرفت على التعليم التونسي، وكانت نتائجها كارثية ومأسوية على كافة المستويات، وساهمت البرامج التربوية والتعليمية التونسية، بتكلس الفكري والانسلاخ واستلاب الثقافي، وبالتسرب والانقطاع المدرسي، وفي تفكيك الاسرة التونسية ،وفي التطرف والغلو والإرهاب.
المرحلة الثانية: الجمهورية الثانية (2011-2016)
تميزت هذه المرحلة باندلاع ثورة الكرامة والحرية (ديسمبر2010-جانفي 2011)، كرد فعل على تهميش والاستبداد والظلم والاستلاب الحضاري والثقافي، وبتأسيس الجمهورية الثانية، والتي جاءت بنفس إصلاحي، ونادت بالتصالح مع الماضي والحضارة العربية الإسلامية، وطالبت بالعودة إلى التعليم الديني الزيتوني الحر العصري، وبالكتاتيب القرآنية العصرية، وبعودة الأوقاف والأحباس، وبإصلاح المنظومة التربوية والتعليمية، لتحصين أطفالنا من التطرف والغلو،والاقتداء والاستئناس بالتجارب التربوية والتعليمة ناجحة مثل الدول الاسكندينافية (فلندة) واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول الانقلوسكسونية، ولكن سرعان ما تم إجهاض هذه التجربة وإفشالها، من قبل قوى الخارجية وعلى رأسهم فرنسا، وأما الداخلية من قبل اللوبي الفرانكفوني اليساري، المتحكم في مفاصل الدولة والمتحالف مع المال السياسي الفاسد، وسنت قوانين جديدة تحد من هذا التوجه، وإغلاق مدارس التعليم الزيتوني الحر، وبعض الكتاتيب، وأصبح الطفل التونسي ضحية لبرامج التعليمية وتربوية ولأجندات سياسية.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الفترة هي حرجة جدا فهي انتقالية يسعى الجميع السيطرة من أجل وضع التوجهات المستقبلية، فبرز الصراع جليا بين التيار الفرانكفوني المتحالف مع اليسار من أجل المحافظة على ما أسماه المكتسباة والسير على نهج بورقيبة، بين التيار العربي الاسلامي فكان موقفه جد ضعيف اذ لم يتعدى أكثر من إعادة الاعتبار للنهج الزيتوني في المقررات التربوية للأطفال.
خاتمة: 
وفي ختام، لابد من اهتمام بالأطفال التونسين، ومحاربة العنف ضدهم على كافة الأشكال والأوجه المادية والمعنوية، لأنهم المستقبل الوطن، ولابد من الاستثمار فيه، وتدريسهم البرامج التربوية والتعليمية العصرية الخالية من العنف، والمتأصلة في الموروث الثقافي والحضاري، والمتفتحة على التجارب الإنسانية الناجحة، وخلق طفل متوازن في شخصيته، ومعتز ومتأصل بهويته العربية الإسلامية، ومتفتح على الحضارات الانسانية، ومؤمن بالقيم الإنسانية الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتداول السلمي على السلطة، وترسيخها في أذهان الأطفال من خلال البرامج التربوية والتعليمية،والتحكم في ظاهرة الانقطاع والتسرب المدرسي، واعتباره أحد منابع التطرف والإرهاب يستلزم تجفيفها، وإعادة الاعتبار للتعليم الديني الأصيل مع الموازاة مع التعليم الفرنسي، والتفتح على التجارب والمدارس التي ثبت كفأتها وجدارتها مثل الانقلوسكسونية والاسكندنافية واليابانية والصينية والكورية الجنوبية والماليزية وغيرها من تجارب الانسانية والعالمية التي تفيد البرامج التعليمية التونسية.

 

لا تعليقات

اترك تعليق