ميديا بلوس-تونس-كتبت التّلميذة ناهد بن عميرة المرسّمة بإعداديّة ابن الهيثم طريق العين صفاقس هذا النصّ النثري، وتشجيعا لها وللإطار المشرف عليها ننشره لها:

زارني الخريف،”زارني الخريف، كان غريب الهيئة، نصفه شموس وأقمار، وألوان بديعة ناصعة، ونصفه الآخر سحب مكفهرّة غاضبة ورياح مصفّرة عاوية. كان وجهه يشرق حينا فيبدو في أبهى صورة وأجمل ملامح. غير أنّه سرعان ما يكفهرّ ويربدّ ويروح غاضبا شاتما فتستحيل قسمات وجهه مخيفة أشبه بغول الأساطير.
لمّا جاءني أثار في نفسي مشاعر شتّى هي المزيج من الفرح بفصل نشاط وحركة وخوف من رياح مصفّرة تثير الرّعب في النّفوس. أخذ بيدي فرافقته إلى الطّبيعة، فكانت أمتع نزهة وأغربها. كان نصفه المكفهرّ كلّما مرّ بمكان تعاوت الرّياح بين جنباته وتناوحت، فتتناثر الأوراق وتغدو الأشجار عارية جرداء. غير أنّي شاهدت هنا فلاّحا لا يعبأ بذلك فهو مشمّر عن ذراعيه يحرث الأرض ويزقّها حبّا بذورا يدفنها بين ثنايا التّربة. ثمّ يتوجّه لله متضرّعا ليسقي حبوبه غيثا خيرا فتترعرع وتنمو. ولاحظت هناك فلاّحا آخر قد تلفّع وشاحا يقيه لفح الرّياح وهو يجني ونفر من عائلته حبّات زيتون لامعة.
أمّا نصفه المشرق فكان كلّما مرّ بمكان إلاّ وتكاثر غباره وتشقّقت تربته وتصايحت فيه الكائنات “هل من شربة ماء تروّي ظمأنا بعد شهور الصّيف الطّويلة؟هل من سماء ممطرة تطهّر الأرض من غبارها؟” غير أنّ صديقي كان لا يعبأ بشيء. فكلّما مرّ بحقل قطف من هنا تفّاحة ومن آخر برتقالة ومن ثالث رمّانة أو بقايا زهرة لم يلمسها نصفه الثاّني بعد. ويخبر هنا طائرا بوجوب توديع عشّه، ويسعد لمرأى آخر يتهيّأ للرحيل.
كانت الطّبيعة عابسة فلا زهور تزيّن الرّوابي ولا عصافير تشدو بألحانها ولا سماء مشرقة بأنوارها. الكلّ كئيب يدفعني دفعا للإحساس بالحزن والرّغبة في الانزواء. فالبحر غاضب، أمواجه عاتية بعد أن كان في الصّيف نعم الأنيس المداعب لنا. صوت أمواجه المتلاطمة تزرع في النّفس الإحساس بالخوف والرّهبة وتدفعك إلى الابتعاد والاختباء. ولا شموس تداعب الأجساد بحرارتها الدّافئة بل رياح تتلاعب بك يمنة ويسرة تحرّكك دون إرادة وتسيّرك بإرادتها. فقد تحوّلت جميع الكائنات دمى متحرّكة في مسرح العرائس, والكلّ يستغيث… فالأشجار تهتف: “هل من سقي يعيد إلينا أثوابنا وجمالنا؟” والعصافير المغادرة تتساءل في حيرة “أين الشّموس الدّافئة والحبوب المسكّنة لجوعنا فنحيا ونمتّع النّاس بألحاننا؟” والتّربة فتحت أفواها متوسّلة: “إلهي رحمة بنا، صن وجه الأرض من الأذى واحم شبابنا من الزّوال، فلقد ملئت وجوهنا تجاعيد وشوّهت الرّياح أجسامنا…” والبذور تهمس قائلة: “ربّنا احم طفولتنا من الموت فالرّياح قد عبثت بنا وحرمتنا نعمة تربة نديّة تساعدنا على الحياة…” والحيوانات من شياه وأبقار تنادي: “أين الكلأ؟ أين العشب؟ أين الماء؟ أنّى السّبيل إلى الحياة؟”
هكذا كانت جولتي مع صديقي الخريف، فقد دفعتني للتفكير في مصير الكون لو عمّر فيها هو وحده، ستكون النّهاية حتما، واستغثت بدوري: “إلهي كن رحيما بنا فالحكيم هو أنت فيما نظّمت وفيما سيّرت.”

لا تعليقات

اترك تعليق