سيد الخلق وحق اللجوء السياسي (1)

0
22

[ad id=”56030″]

-ميديا بلوس-اسلاميات- حق اللجوء السياسي ينصّ على إعطاء الإنسان، الذي يتعرّض للاضطهاد بسبب آرائه السياسية أو معتقده الديني في بلده والتي هي محمية من قبل سلطة أخرى ذات سيادة، أو بلد أجنبي، الفرصة للعيش والتعبير عن آراءه وممارسة معتقده. هذا الحق وضع له الغرب قوانين في النصف الثاني للقرن العشرين، إلا أنه حقّ وقعت ممارسته قديماـ
تمتع المسلمون بحق اللجوء السياسي عندما استجاروا بحاكم الحبشة، النجاشي، فرارا من قريش، ومارسوا دينهم هناك. وكان هذا بتعليمات من رسول الله. طلب الجوار، أو طلب اللجوء السياسي، هو تقليد قديم، ونظام قائم في الجاهلية داخل الجزيرة العربية وخارجها. هو نظام وضعه الكفار، أهل الجاهلية، ولكنه نظام إنساني. هل اعتبره الإسلام نظام كفر وجاهلية يجب تركه؟ كلا، بل نزل رسول الله تحت جناح هذا النظام العادل، وأرسل المسلمين إلى الحبشةـ
هذا الحق الإنساني مارسه شخصيا، ليس عموم المسلمين فقط، بل وكذلك سيد البشر بعد الأنبياء، أبو بكر الصديق. ولكن ماذا إذا تناقض هذا الحق مع واجب عظيم، هو ممارسة المعتقد والقيام بواجب الدعوة؟ إليكم القصة: كما تعلمون، أبو بكر كان في كوكبة المهاجرين إلى الحبشة. قال ابن اسحاق عن عائشة أم المؤمنين: فقال ابن الدغنة [سيد من سادة العرب]: أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي وآذوني، وضيقوا عليّ؛ قال : ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري. فرجع معه، حتى إذا دخل مكة، قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة ، فلا يعرضن له أحد إلا بخير. قالت: فكفّوا عنه. انتهى كلام أم المؤمنين. إذن، أعطى ابن الدغنة حق اللجوء السياسي لأبي بكر. ولكن وقع تعارض مع أمر عظيم. لنواصل مع ابن اسحاق ـ
عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح ، فكان يصلي فيه، … فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء، يعجبون لما يرون من هيئته. قالت: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا له : يا ابن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، … فمشى ابن الدغنة إليه، فقال له: يا أبا بكر، إني لم أجرك لتؤذي قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه، وتأذوا بذلك منك، فأدخل بيتك، فاصنع فيه ما أحببت؛ قال: أو أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علي جواري؛ قال: قد رددته عليك. قالت: فقام ابن الدغنة، فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد ردّ علي جواري فشأنكم بصاحبكم ـ
ما أعظم الصديق! اسمعوا ما قال: أو أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ تنازل عن حق اللجوء السياسي من أجل ممارسة معتقده والدعوة إليه. اختار جوار الله. هذا أبو بكر. وماذا عن سيد الخلق؟ هو كذلك تمتّع بحق اللجوء السياسي، ونزل في جوار المطعم بن عدي، وهو من أعداء الإسلام [قيل نزل فيه قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه]. عجبا، يطلب الجوار من عدوّه؟ لا أتحدث عن راشد الغنوشي الذي طلب الجوار من بريطانيا، ولا عن محمد مزالي الذي طلب الجوار من سويسرا. أنا أتحدث عن سيد الخلق الذي طلب الجوار من أحد سادة قريش، وكان من أعداء الإسلام ـ
بعد هجرة الطائف، قرّر رسول الله أن يدخل مكة في جوار مُشرك، ولم تأخذه الأنفة أن يتعامل مع مشرك ويدخل في حمايته. كان واقعيًّا، لم يجد في بني هاشم من يُجيره. فكبير بني هاشم بعد موت أبي طالب هو أبو لهب، وأبو لهب من أشد الأعداء لهذه الرسالة. راسل الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو فرفضا. ثم راسل المطعم بن عدي، عن طريق رجل من خزاعة، فقبل. استخدم الرسول موازين القوى في الجزيرة العربية استخدامًا جيدًا حكيمًا. هذه الجذور التاريخية تفسّر انحياز خزاعة للرسول بعد صلح الحديبية ضد قريش، مع أنها لم تكن آمنت ولكن نكاية في قريش ـ ولماذا المطعم بن عدي رغم عدائه للإسلام؟ هو رجل صاحب مروؤة، أحد الخمسة الذين فكّوا حصار بني هاشم. لماذا اختار عدوّا له لكي يستجير به؟ هذه حنكة سياسية وحكمة أخرى لسيد الخلق. لو طلب الجوار من أحد سادة قريش، من غير الأعداء للرسول، لقالت قريش “صبأ فلان”، ولحاصروه كما فعلوا مع سيد قريش، أبي طالب، حتى مات بعد 3 سنين من الحصارـ
رأينا 3 حالات من طلب الجوار قام به المسلمون: المهاجرون إلى الحبشة وأبو بكر وسيد الخلق نفسه. ولكن هل وقع العكس؟ يعني هل أعطى المسلمون حق اللجوء السياسي لغيرهم؟ هل أعطوه لغير المسلمين؟ هل أعطوه لأعدائهم؟ الجواب نعم، وهذا مستمر إلى يوم الدين، وفي ذلك نزل قرآن من فوق سبع سماوات. هل من حقّ المرأة في الإسلام أن تعطي حق اللجوء السياسي للمرأة المسلمة؟ نعم، بل وللرجل، بل وللرجل المشرك. هذا ما سنراه في الحلقة القادمة

الحبيب حمام

الجزء 2 من هنا

 

لا تعليقات

اترك تعليق