ميديا بلوس-تونس-إنها سعادة غامرة تلك التي يستشعرها المرء عندما يسعد الآخرين أو يشارك في إسعادهم أو تخفيف آلامهم… سعادة لا تحس بها إلا النفوس الطاهرة النقية، التي رجاؤها دوما وجه ربها وسعيها دوما هو في طرقات الخير المضيئة.
إن الحياة كد وتعب ومشقة وصعاب ومشكلات واختبارات وآلام، وما يصفو منها ما يلبث أن يتكدر، وليس فيها من أوقات صفاء رائق إلا أوقات العبادة المخلصة لرب العالمين سبحانه.
والناس… كل الناس بحاجة إلى يد حانية، تربت على أكتافهم في أوقات المصائب، وتقوم انكسارهم في أوقات الآلام، وتبلل ريقهم بماء رقراق عند جفاف الحلوق…
ومن طالت به خبرته بالحياة علم أن أعلى الناس فيها قدرا هم الناصحون لغيرهم بالعلم النافع والمفرجون كرب الناس والميسرون على المعسرين والباذلون جهدهم لإسعاد غيرهم…
وانظر إلى ذلك الموقف الرائع يوم استضاف أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا وأراد أن يكرمه ويدخل السرور عليه وكان طعامه قليلا، فأطفأ المصباح وتصنع أنه يأكل حتى انتهى ضيفه من طعامه وشبع، وإذا بالقرآن ينزل ليسجل حادثة هي قليلة في أعين الناس كبيرة في ميزان المروءات والمبادىء والمعاني لذا رفع الله درجتها فقال “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”، إنهم فضلوا شبع بطن ضيفهم على شبع بطونهم، وقدموا سرور صاحبهم المسلم على سرور ذواتهم، وإن كانت ذواتهم قد نعمت بنوع آخر من السرور هو أعلى وأكبر…
وتذكر معي ذالك الصحابي الآخر الذي اسرع بكل قوته ليبشر الثلاثة الذين خلفوا بعفو الله عنهم وصدره يمتلىء حبا وفرحا وسعادة وسرورا حتى إنه لم ينتظر حتى يصل إليهم بل بدأ يناديهم من بعيد من على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر… يقول كعب: فخررت ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قِبَلَ صاحبيّ مبشرون وركد إلى رجل فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياه ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة، ثم قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك”.
فانظر إلى ذاك البشر والسرور الذي على محيا النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بعد علمهم بالخير الذي نزل بصاحبهم… رضوان الله عليهم أجمعين.
وبينا أنت تتأمل تلك المواقف طالع هذا الحديث الثابت من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول عن أبي هريرة رضي الله عنه: (إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن، وأن يفرِّج عنه غمًا، أو يقضي عنه دينًا، أو يطعمه من جوع) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني في الصحيحة 1494.
وفي رواية للطبراني “إن أحب الاعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض: إدخال السرور على المسلم، كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت حاجته”. وللطبراني أيضا عن عائشة رضي الله عنها “من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورا لم يرض الله ثوابا دون الجنة” وعن أنس رضي الله عنه قال: ”مَن لَقيَ أخاهُ المُسلِمَ بِما يُحِبّ لِيَسُرَّهُ بِذلك، سَرّهُ اللّهُ عزّ وجَلّ يومَ القِيامةِ”.
وفي الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم “من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه”
إنها عبادة إذن أيها القارىء الكريم، ما إن يستصحب العبد فيها نية صالحة، إنها من أحب الأعمال إلى الله تعالى… فتأمل إن مجتمعاتنا تلك -التي تعيش الآن في صراعات متشابكة على المصالح الشخصية- لفقيرة إلى فهم ذلك المعنى العظيم، الذي يصرخ فينا أن سارعوا إلى الرفق بالناس وتفريج الكرب عنهم وتخفيف آلامهم وإطعام جائعهم وقضاء الدين عن مدينهم، وإهداء السرور لحزينهم…
ويوم يتعلم الدعاة إلى الله معنى إدخال السرور على المسلم ويطبقون مقتضاه سيضربون المثال الحي لمجتمع افتقدناه عبر سنين طويله…
وما أروع هؤلاء الصالحين ذوي النفوس الطاهرة الذين يسعون دوما في إدخال السرور على إخوانهم، فيسألون عن أحوالهم ويسارعون في نجدة ملهوفهم…

تحقيق سهيل البوكي.

لا تعليقات

اترك تعليق