ميديا بلوس-تونس-خليفة بن عسكر من مواليد 1911 شخصية جهادية فذّة تصفه المصادر الإيطالية والفرنسية بأنه كان رجلاً من بين الرجال الذين برزوا في صفوف حركة المقاومة الوطنية منذ بداية الغزو الإيطالي لليبيا في عام 1911 وأحد الزعامات الوطنية التي تردد اسمها كثيراً داخل ميدان المعارك.
اتصف بكراهية متناهية للإيطاليين، واعتبروه عدوهم اللدود منذ بداية الاحتلال.
لم يتاجر في قضية بلاده حينى تواطأ آخرون، ولم يعرفه الإيطاليون إلا من خلال المعارك الوطنية، وما أكثر ما ألحق بهم من هزائم مميتة وضربات موجعة في كثير من الأحيان.


صنفه الشيخ الطاهر الزاوي على رأس عدد من الجنود البواسل ممن كانوا في قائمة الحرب الطرابلسية، ووصفه جايبي ( Gaibi ) في كتابه (موجز تاريخ المستعمرات الإيطالية) الذي صدر في عام 1928، بروح الثورة والمحرك النشيط لها في الطرف الجنوبي الغربي من جبل نفوسة واعتبره (جرانسياني) في كتابه نحو فزان، بأنه زعيماً حربياً صلباً اتصف بعبقرية عسكرية رفيعة، كان يناصبهم العداء باستمرار، ولا يؤتمن جانبه، بذل الإيطاليون في سبيل استماتته إليهم والقبض عليه جهوداً مضنية فلم يفلحوا في ذلك.
ووصفه أحد المؤرخين الإيطاليين بابن فلاح ومن أصحاب الثروة، فهو يمتلك منزلين وقطيعا من الأغنام والإبل وأراضي ورثها عن آبائه وأجداده.
وطبقاً للمصادر الإيطالية فقد ولد في مسقط رأسه نالوت، ولم تغره مناصب العهد التركي، شارك في معارك الاحتلال الأولى 1911 – 1912 وكان من أشد المتحمسين لمقاومة الإيطاليين في معارك 1912 – 1913 شارك في معركة جندوبة الفاصلة في ربيع 1913، ورغم ذلك فقد استمر بمجهوده الخاص يقاوم تقدم جيش الاحتلال، وعلى أثر احتلال نالوت في أبريل 1913 أفلت من الأسر بأعجوبة، فتوجه الى وادي (الثلث) على بعد عدة كيلومترات شمال غرب نالوت وعلى مقربة من ذهيبة ليتدبر أمره، ومما زاده تصميماً بعض تجاوزات النقيب ليتسي ( Lezzi ) في حادثة اجتماعية، اعتبرها خليفة بن عسكر جرحاً في كرامته، فكانت بذلك دافعاً قوياً في الثأر لكرامة وطنه ومواطنيه.
ارتبطت شهرته بمعركة لقن عمران في 28 – 29 من نوفمبر 1914 عندما حاول قائد حامية نالوت النقيب (دلبابو ) جمع (92) جملا محملة بالذخيرة وإرسالها إلى غريان فهاجمها ليلاً هو رفاقه وفكو قيود الإبل وفجّرو الذخيرة بكاملها بعد أن قضوا على معظم الجنود والضباط الإيطاليين ممن كانوا برفقتها وفي منتصف شهر ديسمبر من عام 1914 وعلى أثر معركة (الجويبية) التي خسرها الجانب الوطني ضد قوات اللواء (ديلماسترو) التي جاءت لنجدة حامية نالوت توجه خليفة بن عسكر مع عائلته نحو الجنوب التونسي، وعاد إلى بلاده ولو أن عائلته بقيت رهن الإقامة الجبرية بسبب عودته التي لم يرخص له فيها من قبل السلطات الفرنسية، وخاض خليفة بن عسكر بعد عودته من الجنوب التونسي سلسلة من المعارك الحربية ضد الحملات الإيطالية في معارك الباب وسوينية يعقوب وواحه ماترس في مارس 1915.
وفي 10، 11، 18 من أبريل، وقد تولى قيادة كل هذه المعارك بعد أن عاد المهدي كنيفو إلى فزان وتوجه بعد ذلك مع رجال محلتة البالغ تعدادها (350) مجاهد صوب سيناون فحاصر حاميتها وقتل من أفرادها 20 عسكرياً وجرح 18 منهم من بينهم النقيب (جاليني) قائد الحامية نفسها، وبالرغم من تعزيزات قائد حامية نالوت الإستعانة بالمقيم الفرنسي في ذهيبة، فر جالياني في جنح الظلام نحو الحدود التونسية بعد أن فقد 50 خمسين من جنوده بما في ذلك حصانه الذي امتطى خليفة بن عسكر صهوته باعتبار غنيمة.


وواصل مسيرته باتجاه الشمال فحل بأولاد محمود وفيها انقسمت قواته إلى مجموعتين اتجهت إحداها لمحاصرة حامية كباو في حين توجهت المجموعة الأخرى لمحاصرة حامية (تكوت) وانتصرت مجموعاته في كلا المعركتين وفي شهر سبتمبر توجه خليفة بن عسكر لمهاجمة الحاميات الفرنسية بالجنوب التونسي، وكانت البداية بواقعة المرطبة وفي اليوم التالي 14 سبتمبر 1915 كانت موقعة جبل عفينة، وفي 15 سبتمبر توجه الفرنسيون لاحتلال وازن وتوجه خليفة بن عسكر لمقاومتهم، ويذكر محمد المرزوقي في كتابه (دماء على الحدود) بأن معركة ظهر النصف التي جرت أحداثها في 15 سبتمبر مثلت بداية التدخل الرسمي لقوات بن عسكر البالغ عددها (800) مجاهد، وتتبع خليفة بن عسكر فلول المنهزمين إلى ذهيبة وفي 18 من سبتمبر أعاد مهاجمتها واستمر في حصارها حتى يوم 23 من سبتمبر، وأطلقت هجماته شرارة الحماس في كثير من رجال الجنوب فالتحقوا به فوراً بقيادة شيخ الكراشوي سيدي عمر الأبيض وشيخ أولاد دباب (سي علي بن عبد اللطيف) فهاجموا تطاوين ثم توجهوا نحو ذهيبة على بعد 120 كم شرقا، وفي 25 من سبتمبر 1915 شنوا عليها هجوماً عنيفاً ومن بعدها معركة بئر رمثة، وكانت معركة ذهيبة الأولى والثانية التي جاءت قبل هذه الأحداث في 13 ، 16 من سبتمبر وكان قوام المعارك مجاهدون طرابلسيون من نالوت والحوامد وأولاد محمود وآخرون غيرهم إلى جانب آهالي الذهيبات وجميعهم بقيادة خليفة بن عسكر وفي بداية شهر أكتوبر حاصر خليفة بن عسكر ومجموعته منطقة (أم صويغ) لمدة أسبوع وتقدر المصادر الفرنسية عدد المجاهدين ب (3000) مجاهد وكان خليفة بن عسكر قد توجه إلى نالوت لمواجهة قوات إيطالية حاولت ضربه من الخلف لكنه حقق نصراً على عدوه وفي مطلع عام 1916 هاجم المجاهدون الليبيون والتونسيون موقع ( بئر كشيرة ) و(بئر علي) ومنطقة (الدويرات) و(الجفارة) وتمكنوا من غنم بعض قطعان الماشية وفي 19 من يونيو عاد خليفة بن عسكر مهاجمته ذهيبة مرة أخرى وتحول بعدها إلى رمادة حيث قتل من الفرنسيون قرابة (150) بين قتيل وجريح كما عاود مهاجمة رمادة يوم 27 ثم تحول نحو (بئر مغري) وبعدها عاد إلى نالوت وفي 15 من سبتمبر قصف الفرنسيون محلة المجاهدين بالطائرات حيث لقي فيها (لوبوف) مصرعه، وعند هذا الحد بدأ خليفة بن عسكر –كما يذكر المرزوقي– شغل فرنسا بحرب الاستنزاف في محاولة منعهم من احتلال وازن، والانتقام لإخوانه عندما أسرت فرنسا عدد من رفاقه من نالوت والحوامد، وأولاد محمود، واستمرت هذه الحرب طيلة الفترة الاولى من عام 1917 م تم توجه نحو الساحل لخوض معارك سيدي بوعجيلة وخاض خليفة بن عسكر –مع العديد من مجاهدي الجبل– معظم هذه المعارك كقائد مرسته حروبه السابقة، وقد ارتبطت هذه الحرب بعودة (الباروني) وبعض الضباط الأتراك، وبنهاية حرب سيدي بوعجيلة عاد المجاهدون إلى ديارهم الذي كان من بينهم (خليفة بن عسكر) حين عاد إلى مسقط رأسه (نالوت) واستأنف من هناك حرب ثانية مع فرنسا في معارك ومناوشات لا يمكن حصر تفاصيلها، وخسر الفرنسيون في معارك الجنوب التونسي طبقاً لمصادرهم قرابة (2560) جندي بين قتيل وجريح وأسير وأثناء حدوث الفتنة التي اشتعلت في الجبل عام 1920 توجه خليفة بن عسكر نحو (الوطية) وفيها تم القبض عليه من قبل الجنرال الإيطالي (جرانسياني) حيث تم اقتياده إلى الزاوية، وفيها نُفّذ فيه حكم الإعدام شنقاً بتاريخ 20 / 9 / 1922 وبذلك انتهت حياة زعيم لامع لقن فيها الإيطاليون والفرنسيون دروساً قاسية لازالت الأجيال أللاحقة تذكرها بفخر عند الليبيين وبحسرة ولوعة لدى الإيطاليين والفرنسيين.
أ ، د / احمد عطية مدلل.
(1) للمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة كتاب (المقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي وتأثيرات الاوضاع الدولية عليها) 1989 م.
(2) التدخل الاجنبي في ليبيا 1881 ـ 1915 *محاولة في دراسة نشأة المقاومة وتطورها وآثارها ) 2007 م.
(3) بحث نشر في مجلة الوثائق و المخطوطات العدد الرابع صادر عن مركز الجهاد الليبي للدراسات التاريخية بعنوان (صلابة موقف خليقة بن عسكر من واقع رسالته الى النقيب باري قائد حامية ذهيبة التونسية).
اللهم أغفر له و ارحمه و جعل مثواه الجنة.

لا تعليقات

اترك تعليق