ميديا بلوس-تونس-إن المسيرة التي حملت حنبعل من إسبانيا إلى إيطاليا والانتصارات التي حققها هناك أبهرت القدامى والمعاصرين على حد السواء. وقد اعترفوا بقدرته الفائقة على التسيير والقيادة والتّكتيك إلى حد أنه نعت بنصف الإله. وطبيعي أن هناك من حاول التقليل من شأنه بل إن المعادين لقرطاج كفابيوس بكتور Fabius Pictor، مثلا وصفه بالمتوحش والمخرب. وهناك من المعاصرين من رأى أن اجتياز جبال الآلب لم يكن بالصعوبة التي وصفها المؤرخون. ومهما كان الشأن لا يمكن أن نشك في أن حنبعل كان قائدا عظيما وفذا، وقد اعتبر الألمان مثلا أن الخطة التي اتبعها في معركة كاناي كانت بمثابة الثورة في فن الحرب، علما وأنها تدرس إلى يومنا هذا في الأكادميات العسكرية، حتى الغربية منها.

كان لحنبعل 25 سنة من العمر لما أخذ الحكم وقد استعد للمسيرة والحرب بجيش قوامه 102000 جندي من بينهم 90000 مشاة و12000 فارسا إضافة إلى 37 فيلا. وقد اختار الطريق البرية للوصول إلى إيطاليا لضعف أسطوله ولغياب نقاط إرساء بالبحر ولتجنب مراقبة تحركاته من طرف روما التي كان يريد مباغتتها كما كان ينوي التعويل على تحالف الغاليين أعداء الرومان وعلى انسلاخ مدن جنوب إيطاليا على روما بحيث تصبح مهمة هذه الأخيرة عسيرة جدا والحال أن الحرب ستدور رحاها على أراضيها.
انطلق حنبعل في مسيرته في شهر ماي من سنة 2188 قبل الميلاد من قرطاجنة. وبعد اجتيازه جبال البيريني بإسبانيا وصل في أيام قليلة إلى مشارف نهر الرون الذي تمكن من اجتيازه بكثير من الحنكة. فاشترى ما أمكن من السفن وقام ببناء مراكب ومصطبات وأطواف نقل عن طريقها كافة الجنود وكان عددهم آنذاك 50000 من المشاة و9000 فارسا إضافة إلى الفيلة.

ويبدو أن عملية العبور تمت بدون صعوبة على عكس اجتياز جبال الآلب التي مثلت عقبة من حيث وعورة الطريق وطولها علما وأن فصل الخريف كان قد حل. اختلف المؤرخون بخصوص المسلك الذي اتخذه حنبعل عبر لبجبال والأرجح أن يكون قد اتبع وادي الإيسارة Isère شمال مدينة أفينيون Avignon في اتجاه قرونوبل Grenoble ثم عبر أحد الأفجاج المؤدية إلى نهر البو عل مستوى مدينة تورينة Turino.
عندما وصل في شهر أكتوبر إلى قمة الآلب كان الطقس شديد البرد وقد غطت الثلوج الجبال والأودية ومثلت عائقا أمام تقدم الجيش الذي لم يعد يضم وهو في سهول بادانا Padana أكثر من 20000 مشاة و8000 فارسا حيث مات عدد كبير منه. وهناك من يرى أن حنبعل ركز عدة حاميات بالمواقع التي مر بها.
وفي النهاية اجتاز حنبعل ما يقارب 1500 كم من بينهم 2000 كم من المسالك الجبلية ومكث حوالي خمسة أشهر. وبينت هذه المسيرة القدرة الكبيرة للقائد حنبعل في التحضير والتخطيط والدرجة العالية من الشجاعة والإقدام اللذان تميز بهما وجيشه في نفس الوقت.

لا تعليقات

اترك تعليق