ميديا بلوس-تونس-إنّ سورة المُجاَدِلَة تعلن تحرير المرأة وتزكية خروجها إلى السّلطة النّبويّة بصفته صلّى الله عليه وسلّم المبلّغ عن ربّ العالمين. وبصفته القاضي الأعدل والمصلح الأتقى وبصفته المعلّم الأرشد والنّاصح الأمين. خرجت المرأة الأنضج والأقدر على البوح وإبداء الرّأي والثّائرة على أعراف الجاهليّة التّي تنتهك حصن الأسرة وتهدمه وتعذّب المرأة الزّوجة والأمّ المربّية والقلب الجامع لكيان أسرتها. كانت المرأة قائمة تصلّي صلاة نهارها فجاء زوجها ورأى سجودها فخرج عن قيم غضّ البصر وتعظيم الصّلاة،ضعف، فدعاها فأبت. فاغتاظ وظاهرها.أورد العلاّمة ابن عاشور في تفسيره ما نصّه: “افتتحت آيات أحكام الظّهار بذكر سبب نزولها تنويها بالمرأة التي وجّهت شكواها إلى الله تعالى بأنّها لم تقصّر في طلب العدل في حقّها وحقّ بنيها.ولم ترض بعنجهيّة زوجها وابتداره إلى ما بنثر عقد عائلته دون تبصّر ولا رويّة، وتعليما لنساء الأمّة الإسلاميّة ورجالها واجب الذّود عن مصالحها. تلك هي قضيّة المرأة خولة أو خويلة مصغّرة أو جميلة بنت مالك بن ثعلبة أو بنت دُلَيْجَة(مصغّرا) العوفيّة. وربّما قالوا: الخزرجيّة، وهي من بني عوف بن مالك بن الخزرج. من بطون الأنصار مع زوجها أوس بن الصّامت الخزرجيّ أخي عبادة بن الصّامت. قيل: إنّ سبب حدوث هذه القضيّة أنّ زوجها رآها وهي تصلّي وكانت حسنة الجسم فلمّا سلّمت أرادها فأبت فغضب وكان قد ساء خُلُقَه فقال لها:أنت عليّ كظهر أمّي. قال ابن عبّاس وكان هذا في الجاهليّة تحريما للمرأة مؤبّدا (أي وعمل به المسلمون في المدينة بعلم من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإقراره النّاس عليه فاستقرّ مشروعا) فجاءت خولة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذكرت له ذلك، فقال لها: حرمت عليه، فقالت للرّسول صلّى الله عليه وسلّم: إنّ لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا، فقال: “ما عندي في أمرك شيء، فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقا. وإنّما هو أبو ولديّ وأجبّ النّاس إليّ. فقال: حرُمت عليه.فقالت:أشكو إلى الله فاقتي ووجدي. كلّما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حَرُمْت عليه هتفت وشكت إلى الله، فأنزل الله هذه الآيات.”ج28.ص7. إنّ واجبنا اليوم في القرن الواحد والعشرين وفي عهد صراع الإيديولوجيّات أن نستنطق نصّنا المقدّس وأن نستخلص المقصد والغاية والأهداف العالية، وأن ننقد تمسّكنا بالسّقيم وغير المنخول. إنّ الصّحابيّة كانت لسان دفاع وحقوقيّة مدنيّة حتّى النّخاع، امرأة مؤمنة واثقة بشريعة الله. الوحي هَدْيُهَا وسِرَاجُها لن يعطّل حقّا، ولن يصادم فطرة سليمة، ولن يعذّب نفسا زكيّة تقيّة، ولن يزكّي عُرْفا جاهليّا، يعذّب ولا يرحم، يفرّق ولا يجمع، إنّها تعلم أنّ الشّريعة الربّانيّة كلّها رحمة. وأنّ كلّ ما يناقض الرّحمة باطل، وأنّ ما يعطّل الرّحمة مردود. ألمع ابن عاشور إلى “أنّ المرأة لم تقصّر في طلب العدل في حقّها وحقّ بنيها” إنّ العدل كان بطابعين حقّ الأنا وحقّ الآخر. كانت امرأة تحمي نفسها وتنصف عيالها وتحفظ نظام الأسرة. بل وتحمي زوجها وتلتمس له العذر. بل أكثر من العذر إنّها تحميه وتحفظ عرضه. ولذلك أسهمت في كفّارته لمّا كان عاجزا عن التكفير. قال العلاّمة ابن عاشور: سبب النّزول لأنّ المرأة ما جاءت مُجَادِلَة إلاّ لأنّها علمت أنّ زوجها المُظاهر منها لم يرد فراقها كما يدلّ عليه الحديث المروي في ذلك في كتاب أبي داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر منّي زوجي أوس بن الصّامت فجئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشكو إليه ورسول الله يجادلني ويقول: اتّقي الله.فإنّه ابن عمّك؟فما برحتُ حتّى نزل القرآن. فقال: يعتق رقبة.قلت: لا يجد. قال: فيصوم شهرين متتابعين، قلت: إنّه شيخ كبير ما به من صيام. قال: فليطعم ستّين مسكينا. قلت: ما عنده شيء يتصدّق به.فأتى ساعتئذ بعَرَقٍ من تمر فقلت: يا رسول الله فإنّي أعينه بعَرَقٍ آخر. فقال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستّين مسكينا وارجعي إلى ابن عمّك. قال أبوداود في هذا إنّها كفّرت عنه من غير أن تستأمره” التّحرير والتّنوير.ج28.ص17. لعلّ النّبيه يلتفت إلى قوّة مجادلتها،وشدّة حجّتها،وسلامة فطنتها،وصدق حبّها وصفاء مودّتها. فإنّها كانت لسان دفاع عن ابن عمّها زوجها المظاهر لها،ولم تكن شاكية به تطلب خلعه أو عقابه أو النّكاية به. بل ذهبت أبعد شأوا حين أسهمت في الكفّارة ولم تحرجه ولم تخذله. لقد كانت وربّ السّماء آية تتلى.لتتعلّم المرأة حفظ زوجها وحفظ أسرتها وحفظ أولادها. بل وتعلّم الرّجال أنّ المرأة ليست تبعا ولا ناقصة عقلا. إنّ قرآنا يتلى نزل موافقا استنباطها وثقتها بالوحي. صفاء إيمان. وأكثر من هذا امرأة تكفّر عن زوجها عند عجزه. وتحفظ عصمتهما. الآن آن لنا فهم أهليّة المرأة.وأنّها ليست تبعا إلاّ لشريعتها. أمّا الطّنطنة بأنّها ناقصة عقلا فما ندري علّة المقال ولكن أفهم أنّه تهدئة نار غضب و تسكين انفعال حتّى إذا سكت الغضب آب الزّوج إلى رشده.فأمسك عليه زوجه. إنّ نار الغضب حملت موسى عليه السّلام على إلقاء الألواح وفيها من كلّ موعظة ثمّ أخذ برأس أخيه ولحيته ولم يلتفت لمن حوله ولا حالة كونه رسولا. الغضب نار متلفة. لذلك أطفأ رسول الله نار الغضب بقوله “ناقصات عقلا ودينا” مقولة تهدّئ الحكيم ويحفظ أهله… أليس كذلك؟ أنبّه أخيرا إلى فضيلتين: المرأة حفظت زوجها وأبطلت شريعة ظالمة.وردّت لكلّ زوج عقله وألجمت لسانه.المرأة بسببها نسخ حكم جاهليّة دانت له أعراض النّاس وأسّست حكما واحدا. الطّلاق. شريعة الطّلاق بيد الرّجل والخُلع بيد المرأة. أمّا نكاح المقت ومسك المرأة كرها فمنسوخ في شريعة الإسلام. المرأة حفظت أسرتها،ومن مالها أنفقت تكفيرا عن زوجها ورعاية لعقدة النّكاح ولمصلحة الأسرة..المرأة آية بناء وليست آلة هدم. ثمّ إنّ عرف الجاهليّة القاضي بالظّهار، لم يكن بين كلّ العرب.بل إنّ أهل يثرب (المدينة) هم الذين اتّبعوا شريعة اليهود. وليست التّوراة. فإنّ يهود يثرب كانوا يظاهرون، قال ابن عاشور: “والذي يلوح لي أنّ أهل يثرب ابتدعوا هذه الصّيغة للمبالغة في التّحريم، فإنّهم كانوا قبل الإسلام ممتزجين باليهود متخلّقين بعوائدهم، وكان اليهود يمنعون أن يأتي الرّجل امرأته من جهة خلفها كما تقدّم في قوله تعالى”فأتوا حرثكم أنّى شئتم” في سورة البقرة. فلذلك جاء في هذه الصّيغة لفظ الظّهر، فجعلوا في هذه الصّيغة تغليظا من التّحريم وهي أنّها كأمّه،بل كظهر أمّه. فجاءت صيغة شنيعة فظيعة. التّحرير والتنوير. ج28.ص11. إنّ المرأة كانت مستضعفة عند اليهود وعند النّصارى وبين العرب، فجاءت شريعة الإسلام تدفع بالتّدريج نحو تخليصها من أعراف ضالّة ظالمة. وإنّما يتنزّل القرآن متناسبا مع الأحداث العظام فيترسّخ قبول الحكم الشّرعيّ في العقل رسوخا وتتطهّر الفطرة فتعود كما فطرت أوّل مرّة. قال تعالى: “فطرة الله التي فطر النّاس عليها لاتبديل لخلق الله. ذلك الدّين القيّم ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون” الرّوم. 30. إنّ حريّة المرأة بقوّتها وفاعلّيتها ونقدها للعوائد الفاسدة الظّالمة ولو ألبست ثوب الشّريعة أوالعقلانيّة الثّورجيّة، فعليها أن تلتزم مقاصد الشّريعة ولو كره الكارهون.

لا تعليقات

اترك تعليق