ميديا بلوس-تونس-قابلتها في ملتقى القصة القصيرة الملتئم شهر ديسمبر 2016 بالحمامات، وكانت بيننا سابق معرفة أهدتها لنا بعض اللقاءات الثقافية بصفاقس.

كانت مرافقتي في غرفة النزل. لم نكن نسكت طيلة الليل تأخذنا الأحاديث والمُلح وبحور الحرف وهواجس المبدع بشتى توجّهاته، إلى أن أتت على ذكر حادثة حصلت معها في بداياتها: حادثة مثيرة ومغرية وفيها من صناعة الأمجاد لمن كانت في سنّها وإقبالها حينها ما يدفع المعنيّ بها بالقبول بها واكتساح المشهد بقوة وتحقيق شهرة لا نظير لها.

فبسمة رفضت السفر إلى فرنسا، وهي الفتاة العاشقة لهذا البلد، لل لشيء سوى أنّها علمت أنّ المغتصب سيشاركها أنفاس النزل وحرارة الغرف التي اقتنصها من أرواح أطفالنا المزهقة.

ألححت عليها كثيرا بمراسلتي بتفاصيل القصة حتّى يعلم المتنطّعون هنا وهناك ممّن لا يتورّعون من ارتكاب الحماقات من أجل الشهرة والسفر باسم الإبداع، والقبول بكل شيء وإن رضخوا لبعض الإملاءات وإن كان فيها انتهاك حرماتهم.

هذه بسمة البوعبيدي وغيرها كثيرون تصمد في وجه الريح في عمر لا يصمد أمام النسيم، أضع قصتها مع جائزة عالمية، تركتها وهي الراغبة فيها من أجل قضية إنسانية عادلة، وإذ أنشر قصتها رغم ما مرّ عليها من الزمن، فقط لأقول أنّ بطون الحرائر لا تتوقّف عن إنجاب أمثالها:

كم كنت وحيدة حينها وصغيرة… وحيدة أحبو على هذا الدرب الطويل الشائك معدمة لا أملك من حطام الدنيا سوى هذا القلم الذى جعلت مداده من دمى فأغمسه فى جرح القلب النازف على الدوام وأكتب… أكتب بصدق وعمق ودون غاية سوى أن أشفى وأستكين للحرف عله يقينى غائلات الدهر وقسوة الأيام… وكتبت كتبت البدايات بعفويتها وصدقها وحماستها… كتبت وجعى وكانت قصة أنا والذكريات فى خريف العمر ووصلتني أصداء تلك المسابقة وتنشقت تفاصيلها لألملم أوراقي النائمة فى عتمة درجي الصغير وأرسلت بقصتي/ ذكرياتي فى خريف العمر/ العمر الصغير الذي زحف خريفه قبل الأوان وعلى كل فصوله الزاهرة وعلى غير ما توقعت وأملت كانت المفاجأة وفزت بالجائزة ــ جائزة التشجيع الدولية لنساء حوض البحر الأبيض المتوسط ــ الجائزة كبرى والفرحة كبرى وقلبي المعني والمحطم لم يتعود الفرحة بمثل هذا الحجم والقدر… وطفقت أحلم… أحلم بالسفر إلى فرنسا أين سأتسلّم الجائزة… فرنسا بلد الأنوار… محجة الأدباء والكتاب الكبار… سأسير على دربهم وأدخل بلد العلم والنور وبهذا ينطلق طائر الحلم الحبيس فى صدري ويتحقق… صرت جديرة بالحلم… صارت الحياة سخية معي على غير العادة فتحقق أحلامى مثل الآخرين… لا لست أحلم هو الواقع حين يكون أجمل وأسرعت إلى مطار تونس قرطاج الدولى قبل الطيران لأتاكد أنها الحقيقة والواقع… وتواترت على بريدي الرسائل لتمدنى بالتفاصيل وتؤكد على حضوري هناك… ولكن… وعلمت أن العدو الإسرائيلى يمد أذرعه الأخطبوطية ويشترك فى الجائزة… وخفت التورط فى القفز على دماء أطفالنا وأهلنا الأبرياء… وقفز شيئا فى صدري رافضا رغم كرم العرض وجزالة العطاء والإغراء لمبتدئة معدمة مثلى ما زالت تتعثر فى بداية الطريق… ورفضت بشدة ودون تردد وانتهى الأمر فى صمت… لم أكن أعلم حينها أن الذى انتفض فى صدرى رافضا هو الضمير الحر… ولا كنت أفقه كلمة التطبيع مع العدو ولا كل الشعارات الرنانة ولم أتبجح بموقفي الذي كان يمكن أن يكون بطولي لو كان مسنودا من أي كان ولو لم أكن وحيدة ومنعزلة وصغيرة ومبتدئة… وأحسست أنه كان يمكن أن أتورط بحسن نية وقلة تجربة وسذاجة وأحسست أنه لا سند لي في هذه الحياة يرشدني، وتعاظمت وحدتي وعزلتي وصارت حالة اغتراب لو لا هذا القلم الذى هو كل ثروتي وعزوتي، وهذا الشيء الذي هو في صدري، ويقال له ضمير يرشدنى ويوجهني إلى الحق والصواب والمسلك الصحيح والموقف السليم إذا، فبكل هذه النعم أنا الآن حرة وثرية وقانعة وسعيدة غير أني وأنا أطرق أبواب خريف العمر الحقيقي مازلت أحلم كل يوم ولم أتخلّ وأتنازل عن الحلم بأن أزور فرنسا بلد الأنوار ولو مرة قبل النهاية والرحيل.

تحياتى نجيبة وحبي الكبير وشكري وامتناني الخالص عزيزتي

لا تعليقات

اترك تعليق