ميديا بلوس-تونس-تمثلّ سورة محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، منعرجا في هذا البحث. إذ لفت انتباهي غفلة المفسّرين،القدامى والمعاصرين، عن تخصيص المرأة بالتّحرير والتّنوير،بل ظلّ خطاب “الّذين آمنوا” يتلفّظ باسم الرّجال، الذّكور، ولا تخصيص للمرأة، الإناث، فانقدح في نفسي سدّ الثّغرة، بل ووجدتّ مبرّرا لحملة العَلمانيّين على خطابنا الإسلامي.فنحن لم نتزحزح بعد عن تراثنا في التّفسير، مازال الدّفاع عن اللّغة يحكمنا، فـ”الّذين آمنوا” يشمل الذّكور والإناث، وجرى عرف اللّغة أن نذكّر الخطاب بالرّجل الواحد، بل الصبيّ الذّكر، ولو كانت السّيّدات الفاضلات بعدّ الملايين. تلك قواعد اللّغة. ولذلك يغفل المفسّرون عن تخصيص المرأة بالخطاب، فجاء اليساريّون بحرص لافت للانتباه، يقدّمون النّساء، المواطنات، الحاضرات، المناضلات، على الذّكور، المواطنين، الحاضرين، المناضلين… إلخ. هذا التّقديم لم نكترث له حتّى فرض علينا القانون الانتخابي التّناصف العمودي والأفقي في القوائم الانتخابيّة–المترشّحون- فيكون عدد القوائم بالتّناصف. رأس عدد القوائم يكون بالتّناصف، نصف القوائم تبدأ بامرأة، مترشّحة، ثمّ رجل، مترشّح، بالتّوالي. ومثلها يبدأ بمترشّح، شابّ أو كهل، تليه امرأة، وهكذا بالتّوالي. انقدح في ذهني أمر. النّظر في القرآن. حتّى ظفرت بآية سبب نزولها أنّ أمّ عُمارة الأنصاريّة أتت النّبيّ صلّى الله عليه وسلمّ فقالت: ما نرى النّساء يُذْكَرْنَ بشيء فنزلت هذه الآية.

وروى النَّسائيّ وأحمد أنّ أمّ سلمة قالت للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما لنا لا نُذْكَر في القرآن كما يذكر الرّجال فأنزل الله هذه الآية وقال الواحدي: “قال مُقاتل بلغني أنّ أسماء بنت عُميس لمّا رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر ابن أبي طالب دخلت على نساء النّبيّ فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قيل: لا، فأتت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله إنّ النّساء لفي خيبة وخسار قال: وفيم ذلك؟ قالت: لأنّهنّ لا يُذكَرْنَ بالخير كما يُذكر الرّجال. فنزل الله هذه الآية” (التّحرير والتّنوير.ج22.ص20)قال تعالى: “إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصّادقين والصّادقات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدّقات والصّائمين والصّائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذّاكرين الله كثيرا والذّاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما” الأحزات.35.

نلاحظ هذا التّوالي، فما ذُكِرَ اسم بصغة التّذكير إلاّ اقترن بمثله في التّأنيث. فعمّ خطاب النصّ النّوع. ولعلّ النّبيه يلتفت إلى ذكر الرّجال قبل النّساء، فيقول لم كانت المرأة تبعا؟ قلت: “هذا الاعتراض ليّ وعناد، لأنّ أصل الخطاب كان ذكوريّا فلمّا اعترضت النّساء ثبّت عموم الخطاب وعزّز بالتّصريح بالنّساء. فلم يعد إلحاق النّساء بفحوى الخطاب. بل صار فصيحا.صريحا. وهذا سبق في التّاريخ قال الإمام: “وقد اشتملت هذه الخصال العشرعلى جوامع فصول الشّريعة كلّها” ج22ص22.

إنّ ابن عاشور انتبه إلى المقصد الأسمى فالشّريعة تأتي بجوامع الكلم. ولا تفصّل. فتكون الجزئيّات التّفصيليّة التّي تتولّد بتلاقح الوقائع داخليّا ودوليّا، أمميّا، من مهامّ العقل الإسلامي في كلّ عصر. الحاذق الفقيه يختطف الإشارة، ولا يغرق في غرفة ماء. فالشّريعة كلّها تكرم الإنسان. والمرأة إنسان فكيف تهمّشها أيّها المسلم؟ مشكلتنا أنّنا نقدّس التّفسير القديم، أو نعظّم المعاصر منه، وننسى النصّ التّأسيسي. إنّ مشكلة القرآن الارتقاء بالإنسان، سلوكا وثقافة وتواصلا وتنظيمات، والعقل وسيلتك فهل تعطّل عقلك وتمجّد التّراث غثّا وسقيما؟ أم تغربلها بنور عقلك وقصد الشارع؟ إنّ الواجب المدنيّ المعاصر يوجب على عقلاء المسلمين أن يلتفتوا إلى الكليّات الجوهر ولا يغرقوا في تفصيليّات أغرقنا فيها التّراث العليل، أمّا الصحّ منه فَنُعْلِه. 2/ الآيات:7.و8.و9.

إنّ الآية وحدة معنويّة واحدة. وأمّا الأرقام فهي فواصل. (جمع فاصلة). ومع ذلك أجري الخطاب على المتعارف. وقد اقتصر على جزء دالّ دون الاسترسال في طلب الحدّ. وذلك حتّى لا نخرج عن المطلوب، وهو الخطاب “يا أيّها الّذين آمنوا…” قال تعالى: “يا أيّها الّذين آمنوا إن تنصروا الله يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أقدامكم7.والّذين كفروا فتَعْسًا لهم وأضلّ أعمالهم8. ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم 9” إنّ المؤمنات مشمولات بالخطاب. ومطالبات بما طولب به الرّجال. نصرة دين الله. فالله غنيّ عن النّصير، ولكنّ إسعاد النّاس بإنفاذ ما شرعته الشّريعة هو الانتصار لله تعالى. وانظر فضل الله، فعطاؤه من جنس عملك وفيه زياد خير. تثبيت الأقدام. وتثبيت القدم بالوجهين، تثبيت على أرض المعركة، وتثبيت فؤاد، وتثبيت عقل جادّ وعزم منعقد. والسّؤال من الّذي يشدّ العزائم؟ من الذي يدفع بالهمم؟ إنّها المرأة يا أخي. فأمّ عمارة صوت صداه ما زال له صلصلة تربك الأعداء. وصرخة هند بنت عتبة في مشركي مكّة يوم أحد، ما زال يؤذينا، المرأة يا أخي صن دربك وتاريخك من لحظة الأكل من الشّجرة المحرّمة. وحتّى النّفخ في البوق. فإن همّشناها في لحظات ودهور…

 

لا تعليقات

اترك تعليق