ميديا بلوس-تونس-لعل المعطى القبلي من الأهمية بمكان وهو ما تفطن إليه كل من مر بليبيا فاتحا أو غازيا أو مستعمرا كان بل إن العقود الخمسة التي قضاها معمر القذافي المنحدر من القذاذفة لم تكن لتتواصل لولا تفطنه إلى أهمية القبيلة ضامنا لاستمرارية الغلبة والشوكة.
فماهي المظاهر الأساسية للقبيلة الليبية وما هي مميزاتها؟
وهل أن العنصر الأجنبي(في مختلف العصور) الذي دخل ليبيا قد تحكم في البلاد دون تطويع لهذا المعطى؟
وماهي درجة ولاءات القبائل لمختلف من مر بليبيا؟
وهل أن الأمر أصبح من التاريخ أم أنه ما زال يلقي بضلاله على الواقع الليبي في خضم ثورة تقاطع فيها الداخلي مع الخارجي والوطني مع القبائلي؟
قبل البداية لا بد من وضع الإطار النظري لاهتمام الدول الاستعمارية بدراسة مُستعمراتها و هو أمر وإن تجلى بوضوح منذ بونابارت إلا أن أشكاله ما فتئت تتعدد وتتلون من بعثات علمية آنذاك إلى مستكشفين فيما بعده لتصل إلى “منظمات مجتمع مدني” و“دعم ديمقراطية” و“حكم رشيد” و“مؤسسات بحوث استراتيجية”وما إلى ذلك من العناوين المغرية و المغرقة في “الطيبة الغربية” التي لا تخفي في جلها إلا رغبة في معرفة كافة القضايا المتعلقة بحياة “المستعمرات” في كافة أبعادها الإنسانية والاقتصادية و الاجتماعية.
فقد عملت الإدارة البريطانية تاريخيا في برقة على جمع أكبر قدر من المعلومات عن السكان والقبائل والعادات والتقاليد والأعراف بالإضافة إلى الأنساب والمصاهرات والجوار وتقسيم القبائل في كنف الاستفادة من التجربة التركية والإيطالية في تركيز القبيلة شكلا ناجحا في السيطرة على المجال الترابي وجمع الجباية عن طريق شيوخها والاستعانة بهم في وأد كل أشكال التمرد وفي التخلص من مشائخ القبائل المعادية بتدبير المكائد أو بسياسية الإنهاك الداخلي والاقتتال بين مختلف البطون فلاحظنا مثلا صراعات قبلية تافهة بين مجموعة من قبائل جبل نفوسة شلت المقاومة وتم فيها استنزاف جميع الأطراف وخرج المستعمر آنذاك الفائز الأوحد منها.
كما ساهم كثير من الباحثين الإيطاليين من مثل إيتوري روسي وهونريكو أوغسطيني في توفير دراسات أنثروبولوجية تحت غطاء علمي لكنها خلصت إلى تطويعها أداة في يد السلطات الحاكمة التي توسلتها لبث الكراهية والنزاعات بين قبائل و لتقريب قبائل أخرى خاصة أن القبيلة جسم إجتماعي يسوده التعصب والمنافسة للحصول على المنافع وتحقيق المصلحة الخاصة وهو ما يؤدي وجوبا إلى حدوث شرخ إجتماعي يؤثر بطبيعة الحال على المصلحة العامة وتوطيد أركان المساواة والتكافؤ بين أبناء الوطن الواحد بل إن هذا هو عين ما يؤدي إلى الطائفية والإقليمية المساعدة على التفكك والخضوع للأجنبي بمختلف تمظهراته في تجل لنظرية “تفكيك المفكك و تجزئة المجزئ” لكوندولوزا رايس.

إن مفهوم القبيلة كما صوره الملاحظ القادم من الغرب قد لا يكون دقيقا الدقة كلها ذلك أن البناء الإجتماعي عموما وفي برقة بالتحديد يتداخل مع البناء السياسي ليكون سلسلة مترابطة من الجماعات المختلفة حجما وتأثيرا بحيث يتشكل شعور وجداني بالانتماء يصبح بموجبه الجار القريب وحدة اجتماعية منافسة لغيرها من الوحدات الشبيهة، فالحاسي أو العبيدي أو البرعصي البرقاوي أخ لكل الحاسة أو العبيدات أو البراعصة له ما لهم وعليه ما عليهم.
يعد التنظيم القبلي في برقة مثلا نموذجا لتمفصلات البنيان السياسي في ليبيا فهو نظام يحرص على جمع التوازن بين الشوكة لدى خاصة من القبيلة مقترنة بتوازن مع العشائر لتصل حتى العائلة والأسرة لتكون السلطة موزعة في جميع نقاط البنيان القبلي، فيكفي أن يتخذ فرد منها توجها حتى تتضامن معه بقية المجموعة.
فيكون شيخ القبيلة بذلك فاقدا لأية سلطة مركزية مطلقة بل هو حريص على التوازن وتحقيق أكبر قدر من المساواة بين جميع فروع القبيلة مما يؤدي إلى غياب مؤسسات الدولة المركزية أو ما يوازيها من مؤسسات تكون فيها القاعدة القانونية ملزمة وعامة ومجردة و يعوض كل هذا منظومة عرفية يحتل فيها النسب مكانا مرموقا على حساب القانون أو ما يقوم مقامه (العنود السنوسي مثالا)
يتفق الجميع في برقة (و غيرها من القبائل) أن الشعور بالانتماء القبلي مازال قويا رغم ما يقال حول تلاشيه فهو ما يزال يلقى بريقا حتى لدى الشباب لأن الشعور بالانتماء يمنح الفرد إحساسا بالطمأنينة لم تمنحه إياها دولة القذافي ولا تحالفاته المعقدة، مما يؤكد أن ساسة برقة و ما خرج منهم من قرارات وطرح فدرالي يتراوح بين اللامركزية والحكم الذاتي لم يشذوا فيه عن عادة أجدادهم الذين كان كل حاكم للبلاد يأخذ في الحسبان الإحساس بالانتماء القبلي في كل قراراته دون أن يكون شيخ القبيلة وكيلا للحكم أو نائبا عن المستعمر أو الحاكم، فنحج بذلك مجلس شيوخ القبائل في أن يكون أفضل هيئة إدارية تمثل القبيلة وتحمي مصالحها.
فهل يكون هذا العامل هو المحدد في تشجيع التدخل الأجنبي من عدمه؟
أم أن حكماء الشرق والغرب بمختلف أوعيتهم قادرون على تجاوز هذا المعطى؟
يتجه قسم كبير من الباحثين إلى اعتبار العامل القبلي لازال مؤثرا وهو سيميل في هذه المرة لتحقيق أهداف فبراير في حلف يجمع الجبل الغربي و طرابلس الغرب ومصراطة.
فما الذي يضمن أن يكون الحلف القبلي في الصالح العام في مرة قادمة؟
الأكيد أن هذا الأمر خليق أن يكون مناط بحث علمي وتنقيب عملي وتقليب هادئ و رضين لأرشيف مركز دراسات الجهاد الليبي لإماطة اللثام عن علاقة برقة ببريطانيا وطرابلس بإيطاليا وفزان بفرنسا كما رشح من اتفاق بيفين-سفورزا السري.

لا تعليقات

اترك تعليق