ميديا بلوس-تونس-كتبت فيما سبق نصا قصيرا تعريفيا بالمناضل الصّادق الدّغّاري بهدف تعريف شبابنا برموز النّضال الوطني بهذه الجهة ولكنّ المقال أثار تعليقات مخجلة نالت من سمعة الرّجل وسبّبت لأسرته أذى كبيرا دون موجب.
وأعتقد أنّ نقطتين فهمتا فهما خاطئا وسأتولّى توضيحهما وهما نزع سلاح المقاومة سنة 1954 وموضوع الانتماء للصّف البورقيبي.
1- عهد الأمان و نزع سلاح المقاومة:
ما فهم خطأ هو قضيّة نزع سلاح المقاومة التي كان للصّادق الدّغاري دور فيها وحدثت في شهر ديسمبر 1954 قبل وقوع الخلاف بين بورقيبه وابن يوسف. ولعلّه من الضّروري أن أوضّح أنّ هذه العمليّة تمّت بتوافق طرفي النّزاع وأطلق على هذه العمليّة “الأمان” وهي العمليّة التي تمّ بموجبها نزع سلاح المقاومة وعودة الثّوّار المتمسّكين بالجبال لحياتهم العاديّة مقابل وعود بعدم متابعتهم ومحاسبتهم عن ماضيهم من أي شخص أو سلطة مع الوعد بمواصلة مفاوضات الحكم الذّاتي المتعثّرة.
تمّ تعيين الوفد من: عبد الرّحمان عبد النّبي رئيسا لوفد الوساطة بعضوية كلّ من محمّد الرّي و محمّد شقرون وصالح الشّين للتّفاوض مع “الفلاّقه” وذلك في تصريح للباي بتاريخ 22 نوفبر 1954 نقلته الصّحف في اليوم الموالي كما صدر لنفس الغرض منشور بتاريخ 30 نوفمبر 1954 وتلقّى قايد تطاوين برقيّة من الوزير الأول الطّاهر بن عمّار لحثّه على توفير الظّروف الملائمة لتحقيق الهدف المنشود.
انطلقت الاتصالات الأولى بالعاصمة أواخر شهر نوفمبر1954 وشهدت تطاوين بداية من غرّة ديسمبر 1954 حركيّة كبيرة أمسكت فيها الأوساط الدّستوريّة بزمام الأمور ووقع تحييد الإدارة المحلّيّة منذ البداية لطمأنة نفوس الثوّار الذين يتوجّسون خيفة من الحاكم العسكري ومن سلطة القايد الذي يعمل في تنسيق كامل معه.
كان وصول مبعوثيْ الباي إلى مدنين يوم 1 ديسمبر 1954 وكان في استقبالهما كلّ من فرح بالحبيب والصّادق بالكامل اللّذين سخّرا لهما سيّارة يسوقها علي بن سالم عدايل و حال وصول الوفد إلى تطاوين توجّه إلى قهوة العايب (مقهى البريد الآن) وهناك استقبلهم كلّ من: أحمد كادي والمقطوف البكّاي وخيار الدّين بن الشّيباني وعمّار بن محمّد الجويني والصّادق بن علي الدّغّاري وضو عكّار وسالم بن عبد الله الجلّيطي وسالم بن سعيد العايب وسعيد بن مسعود الشّننّاوي وأحمد بن عبد الله الجّويني ومحمود علجان ومحمّد بن سعد قديره.
اتّخذ مبعوثا الباي منزل مسعود الشّننّاوي مكانا لإقامتهما وفي دار أحمد كادي انتظم حفل استقبال الثّوّار بعد نزولهم من الجبل يقودهم أحمد لزرق وهو القائد الأوّل لثورة الخمسينات المسلّحة بتطاوين وقد توافد النّاس على المدينة يوم الاثنين 6 ديسمبر 1954 الّذي يوافق يوم السّوق بأعداد كبيرة ممّا دعا الحاكم العسكري لتسخير مائة من المخازنيّة لحفظ النّظام داخل المدينة، وكان يوما جنى فيه القادة الدّستوريّون ثمار المصالحة وظهروا على السّاحة وازداد النّاس ثقة بهم.
الثّوّار الّذين سلّموا أسلحتهم وعددهم 16:
أحمد بن عبد الله لزرق وعبد الجليل بن علي الدهماني وعمر بوفلغه وحسن الخربي وأحمد بن الحاج سعد بوشناق و محمّد هلال الدّغاري والبشير بن علي بن عون وعثمان بن عبد القادر لطرش وعمر بن عبد الله المليّح وسالم بن التجاني المذبوح ومحمّد بن عمر جحيدر وواحد صابري و3 من الحوايا.
لا شكّ أنّ اعداد عمليّة التّفاوض مع الثّوّار استغرقت بعض الوقت واحتاجت لرجال نافذين مؤثّرين يسمع الثّوّار كلمتهم ومن بينهم الصّادق الدّغاري كما تعرف السّلط الاستعماريّة قيمتهم النّضاليّة فيحصلون منها على ضمانات بعدم الملاحقة كما أنهم يبذلون الكثير من الجهد من أجل توفير ظروف نقل الوفد وإقامته… وقد أعدّ مكتب الأمور الأهليّة بتطاوين تقريرا ذكر فيه من كانت لهم مشاركة فعالة في إنجاح عمليّة تسليم الثّوّار.
فرح بن الحبيب بن عبد الواحد -المقطوف البكّاي- الصّادق الدّغّاري- الصّادق بن الكامل عبد الرّحيم- ضو عكّار – سالم العايب– أحمد كادي– خيار الدين بن الشيباني– مسعود الشّننّاوي– محمود علجان- الطّيّب الغرياني- المدني بن الهاشمي– العربي بن مسعود الشّننّاوي– صالح بن المهدي– حسن بن الفاتح– محمّد الشّافعي الدّوكالي.
شهدت السّنوات من 1952 إلى 1954 في تطاوين النّواة الأولى في المقاومة المسلّحة في الخمسينات وقد تمكّنت لجنة المفاوضة من إخمادها خاصّة بعد تبني المصالحة من قبل رموز الحزب مثل فرح بن الحبيب والمقطوف البكّاي والصّادق بن الكامل والصّادق الدّغّاري وغيرهم.
هذا توضيح لموضوع عهد الأمان الذي فهمه البعض خطأ و جاءت تعليقاتهم غير لائقة وغير موضوعيّة ومتحاملة على رمز من رموز النّضال في تطاوين.
كفى الصّادق الدّغاري فخرا أنه أسّس أول شعبة دستوريّة بتطاوين في زمن كان فيه مجرّد الإنتماء للحزب جريمة يتعرّض أصحابها للتعذيب والتّنكيل و ليعلم الجميع أنّ الانتماء للشّعب كان وجها من وجوه النّضال في ذلك الوقت فكيف يكون حال من تحمّل مسؤولية رئاسة الشعبة؟ ولم تتغيّر ممارسات الشّعب إلا في عهد حكومة الإستقلال وهي الفترة التي لا تعني بحثنا في هذا المقام. وسأذكر حادثة واحدة تظهر بسيطة من بين أحداث كثيرة تعرض فيها الوطنيّون للملاحقة والسّجن خلال حفل عرس أقامه الصّادق الذّغاري و حضرته فرقة غبنتن التي تتغني ببطولات الثّوّار وكان ذلك سببا في سجن الصادق الدّغاري والمقطوف البكاي وغيرهم من رموز النّضال وسجن فرقة غبتن بكامل عناصرها…
2- الاصطفاف اليوسفي البورقيبي:
تربط الصادق الدغّاري ببورقيبه صداقة قديمة تعود إلى سنوات 1937 وما بعدها حين وقع نفي الزّعماء إلى الجنوب. كما كان بورقيبه يزور الصادق الدّعاري في “حانوت الفيلالي” الذي يعمل فيه و يمرّر من خلاله الرّسائل النّضاليّة للقيادات المحليّة فكان لزاما على الرّجل أن يحافظ على تلك العلاقة القديمة. ولكنّ هذا الانتماء لم يلحق منه لثوّار 1956 شيء أصلا فلم ينتم الصادق الدّغّاري لما سمّي “لجان الرّعاية” والتي عددها في تطاوين 20 رجلا أعرف أسماء أغلبهم وهم الذين روّعوا اليوسفيّين وضايقوهم ولاحقوهم. والصادق الدّغاري من هؤلاء جميعا براء، بل هو رجل على قدر من الوطنيّة والأنفة والرّجولة.
وكفى الصّادق الدّغاري فخرا أنه لم ينل من ثمار نضاله ضيعات ولا مناصب ولا جاها أو سلطانا بل كان نضاله خالصا من أجل الله ومن أجل الوطن. وكفاه أنه عاش بعرق جبينه ممّا تدرّه عليه حرفة صناعة الجلد من دخل متواضع جدّا.
أليس هذا وحده كافيا لأن ننصف الرّجل وأن يعتذر من علّق وأساء للرّجل ولأسرته ظلما وبهتانا؟ أمّا من استغلّوا الفرصة لسبّي وشتمي علنا فحسبي الله فيهم ولن أردّ على أحد منهم.
ملاحظة: الصورة الجماعية المصاحبة أخذت بمناسبة تكوين جامعة الجنوب الدّستوريّة التي سميت بجامعة التراب العسكري وقد أسست في تونس بعيدا عن مضايقات المستعمر وكان امحمّد المرزوقي أول رئيس لها ثمّ خلفه فرح بن الحبيب.
ونرى في الصورة حسب الأرقام: 1-التّجاني المهدي 2- امحمّد المرزوقي 3- الحبيب بورقيبه 4- المقطوف البكّاي 5- الصّادق الدّغّاري 6- سالم الجليطي 7- اللّقاني النّاصر. وكلهم من كبار مناضلي تطاوين الذين تفخر بهم في زمن كان فيه “القوّادة” يتسابقون على بيرو عرب. مع شكري لأخي الأستاذ محمد بن سعد الدّغاري حفيد العم الصادق الذي أمدّني بالصّورة.


أريد أن اقدّم اعتذاري الشّخصي لما لحق المناضل الصادق الدّغاري وأسرته من أذى ظلما وبهتانا وأن أؤكّد أنّ ما أقوم به لا يهدف لغير إنارة الرّأي العام والإشادة برجالنا الذين سجّلوا أسماءهم بحروف من ذهب على صفحة التّاريخ والله على ما أقول شهيد.
تذكير: كل ما سردته هنا موثق بالمراجع ومصادر البحث المختلفة ولكن المقام لا يسع لذكر كل المراجع.
الضاوي موسى

لا تعليقات

اترك تعليق