ميديا بلوس-تونس-الشّريعة بين المتعصّبين والمنكرين، مقال للأستاذ البشير العباسي.

1/ في البدء. هذا نصّ أنزّله بغاية التّكوين. لكلّ من ينتصب للكلام في الشّريعة. وإنّ المتكلّمين لا يخلو حالهم من متعصّب للشّريعة واهمين أنّها فقيرة لذلك، والحقّ أنّها أغنى من تصوّراتهم. ولا تخلو من منكرين لها متحاملين عليها واهمين أنّها باعثة على رعب وإرهاب وقسوة. أوهكذا عمدوا لوصفها وتقديمها للنّاس دون تمكّن منها ولا ممارسة لعلومها ولا دراية بمقاصدها وغاياتها البعيدة العالية. وفي الحالتين ظلموا وما عدلوا، وأضلّوا وما أرشدوا. ويين النّقيضين الخاطئين، عمدا أو سهوا وتقصيرا، يوجد تيّار وسط عادل فاحص للشّريعة عالم بدلالاتها واثق برحمتها التّي لاتتخلّف أبدا. وهذا نصّ لعالم فذّ استقرأ الشّريعة فاحصا أغوارها ومجلّيا أسرارها، باسطا حكمتها وخلودها.

2/ النصّ. “هذا فصل عظيم النّفع جدّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشّريعة أَوْجَبَ من الحَرَجِ والمَشَقَّة وتَكْلِيفِ ما لا سبيل إليه ما يعلم أنّ الشّريعة الباهرة التّي في أعلى رُتَبِ المصالح لا تأتي به، فإنّ الشّريعة مبناها وأساسها على الحِكَمِ ومصالحِ العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها فكلُّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْرِ، وعن الرّحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشّريعة وإن أُدْخِلَت فيها بالتّأويل فالشّريعة عدل الله بين العباد، ورحمته بين خلقه، وظلّه في أرضه، وحكمته الدّالة عليه وعلى صدق رسوله صلّى الله عليه وسلّم أتمّ دلالة وأصدقَهما، وهي نوره الذي به أَبْصَرَ المُبْصِرون، وهُداهُ الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التّامّ الذي به دواء كلّ عليل، وطريقه المستقيم الذي مَنْ استقام عليه فقد استقام على سواء السّبيل، فهي قرّة العيون، وحياة القلوب، ولذّة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدّواء والنّور والشّفاء والعصمة، وكلّ خير في الوجود فإنّما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكلّ نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدّنيا وطُوِي العالم، وهي العصمة للنّاس وقوام العالم، وبها يمسك الله السّموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدّنيا وطيّ العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشّريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسّعادة في الدّنيا والآخرة. “إعلام المُوَقِّعِين عن ربّ العالمين.

3/ التّحليل. هذا النصّ افتتح به المجدّد المصلح ابن القيّم الجوزيّة، الجزء الثّاث من كتابه. وقد أمهره باسم دقيق. فهو إرشاد إلى المفتين والزّعماء والحكماء والحكّام، فكلّ هؤلاء يوقّعون بحكم الخَلَفِيَّةِ عن الله تعالى. فأراد ابن القيّم أن يبصّرهم ويحذّرهم ويرشدهم. لأنّ المفتين والزّعماء والقضاة والولاّة يتصدّون لهذه الأمانات نيابة عن ربّ العالمين. فليحذروا، وليعلموا عمّن يوقّعون. وصدّر الفصل بـقاعدة عظيمة دقيقة جليلة فقال: “فصل في تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد”. فالفتوى أساسها وجوهرها التّبدّل والتّغيّر. ولا توجد فتوى تخزّن يستحضرها المفتون ويستحضرونها من خزائن الكتب والمدوّنات والمراجع. بل هي دربة ومران وحذق لفنّ التّنزيل والفروق والحيثيّات والمحيط والزّمان والأمكان والعوائد. ولكن نرى المقلّدين ينسخون من الكتب وهم يجهلون خصائص الأمكنة. ورحم الله الإمام الشّافعي(توفيّ 204هجري) فقد كان يفتي بالعراق فلمّا رحل إلى مصر وشاهد وعاش وحضر واطّلع على أحوال النّاس غيّر الفتوى. فصار يقال قال في القديم، أي في العراق. وقال في الحديث، أي بمصر. فإن كان الشّافعيّ نفسه لمّا تغيّر عليه المكان وتبدّلت العوائد والسّلوك والفضاء الحضاري، كلّ ذلك أوجب عليه التّجديد،مع كونه هو الشّافعيّ عينه، ورغم أنّ القرآن هو ذاته، ورغم أنّ السنّة هي بأحاديثها وضوابط درايتها. فإن كان الشّافعيّ رحمه الله بدّل وغيّر بحسب الوقائع وبحسب الحيثيّات والمحيط والثّقافة فكيف نكتفي بعد1235عام هجريّ بترديد ما خطّه علماء رحمهم الله أفتوا زمانهم وقضايا المستفتين آنئذ.؟ ثمّ التفت ببصرك وبصيرتك ورشدك إلى دلالة “الأحوال” فدوام الحال من المحال، هكذا في الأمثال والحِكَمِ، فإذا أورد الإمام ابن القيّم لفظ الأحوال فقد عنى الجمع، والجمع يتضمّن التنوّع ضرورة، والفتوى تتنوّع بحسب الوقائع والحيثيّات. بل انظر إلى التفاتته اللّطيفة إلى”النيّات”فلكلّ سائل نيّته في سؤاله وحين أتى فعله. ولذلك أفتى ابن عبّاس الرّجل حين جاءه تائبا بعد قتله عمدا شخصا، فقال “هل لي من توبة؟ فهدّأه وقال نعم.فاستقام الرّجل. وجاءه آخر في مجلسه ذاك عينه يسأله هل لي من توبة في القتل عمدا؟ فقال له زاجرا: “لا توبة لك، وليس لك إلاّ النّار” فعلّق ابن الشّهاب بأنّه علم منه عزمه القتل فزجره، وعلم من الآخر حرقة وتوبة صادقة بعد انقضاء جريمته، فقال له بالتّوبة إصلاحا له. فغاية الفقيه الإصلاح. وليس يوزّع الفتوى كما اتّفق. ويراجع في هذا التّحرير والتّنوير. وأمّا العوائد فإنّها محكّمة ما دامت موافقة لمقاصد وغايات الشّريعة. فالعُرف يظنّه الواهم أمضى في حكمه من الشّريعة. بدعوى” المعروف عرفا كالمنصوص” فتوهّموا أنّ العرف هو مدار الكلام. والحقّ أنّ المعروف، الذّي هو نقيض المنكر، هو المعنى المراد. أي ما انعقد عليه إجماع العلماء أنّه معروف. من جهة القيم.لا من عوائد النّاس. فشهرته لا تكسبه صفة الخير “المعروف”. هذه من المصطلحات التّي تجري على ألسنة العوامّ ويجهلون دقيق الاصطلاح. ولذلك احتاط ابن القيّم وحرّر “العوائد” ولم يحرّر”الأعراف”. وأنت لو تبصّرت المصطلحات التّي أحاط بها الموضوع. الأزمنة والأمكنة. فهذان حدّان يضبطان الوجود. فالأزمة متبدّلة والأمكنة ممتدّة. ثمّ سلّط العناية بالأحوال. فالأحوال تشمل السّلامة والأسقام، والعقل والجنون، والرّشد والسّفه، والخوف والأمان، والخبث والغباء، والثّبات والجبن، وأحوال النّفس أوسع من الضّبط. ثمّ التفت إلى سواكن النّفس”النيّات” فقد يصيب منكرا وهو في نيّته معروف. وقد ينوي صلاحا فيأتي فسادا… وهكذا.

وهذا العنوان دلّ عن صناعة دقيقة وتمكّن متين. وإنّ الأمّة لفي أمسّ الحاجة إلى الوعي بهذه الدّقائق وهذه الفروق.حتّى يتولّى مثل هذه المهمّات. أمّا ضوابطه فقد صاغها بأقصر عبارة وأمتن دلالة وأصدق كشفا لخصائص سماحة الشّريعة. ولا يغفل الفطن عن مصطلح “العباد” فلم يقل “المؤمنين” ولا قال “المسلمين”ولا خصّ ببلد ولا لسان ولا لون. بل وصفهم بأصدق تعريف”عباد الله” وسمّى “الرّحمة” ونعت نقيضها بـ”ضدّها” ولم يقل “العذاب، ولا الغضب…” بشارة وسماحة فهل نعقل مثل هذا التّضمين؟ ثمّ لنلتفت إلى تكرار “كلّها”فقد ساقها أربع مرّات متواليات”عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها،وحكمة كلّها”. وما التّوكيد على “كلّها” إلاّ إبعادا لأيّ استنقاص يقع من الغافلين الواهمين. ولوتتبّعنا التّرتيب لانتبهنا إلى عمليّة ارتقائيّة بالتّدريج حسب الأولويّات. فالعدل شوق النّاس كلّهم وطمعهم من الكلّ في كلّ قضيّة أو عطيّة ولو ابتسامة بين بنيك وإخوانك وعمّالك وأعوانك. فإذا تخلّف عدل في مسألة فاعلم أنّها من فساد قضائك وتقديرك وتأويلك. والعمران أساسه العدل. فكان أوّلا. ثمّ ثنّى بالرّحمة وهي طمع كلّ ضعيف وكلّ مهزوم وكلّ ذليل. فالعدل أوّلا ثمّ الرّحمة ثانيا. ثمّ التفت إلى شدّة القضاء في زجر المجرم فهو عدل. وهو رحمة لأنّه لو أهمل العدل لطغى الفساد. فما بدا قسوة فهو في جوهره مستبطن رحمة الله. ثمّ رتّب المصالح بعد العدل والرّحمة. لأنّ مصلحة المجرم النّجاة فزجره العدل قطعا لمفسدة الجريمة. وحصّنته الرّحمة مصلحة له ولغيره. وبذلك نفى العبث كلّه وأثبت الحكمة كلّها. ثمّ التفت إلى التّعميم”العموم “فالشّريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه”العدل غاية العباد. والرّحمة طمع الخلق كلّه حتّى بهيمة الأنعام ثمّ انظر انتصاب الشّريعة فظلّها ممدود يحمي النّاس والخلق كلّهم فالأرض للخلق. والشّريعة حكمته ونوره الهادي إليه سبحانه ثمّ تتوجّ بتاج الإيمان بالنّبوّة المحمّديّة.

4/ الخاتمة. إنّ الرّجل ببضعة جمل حاك لنا كساء يواري سوءات جهلنا بالشّريعة. فلا الغلاة دلّوا ولا نصحوا ولابلّغوا ولا رحموا ولا عدلوا ولا أنصفوا، ولاأصلحوا ولا منعوا فسادا، بل دمّروا وأفسدوا وأضلّوا وأطفؤوا نور الله إلى خلقه… إنّ الرّجل رسم طريق العمران والحضارة فجعل العالم للعباد كلّهم، وجعل الرّفق للعوالم كلّها، فهل حضر في أفعال الغلاة يمينا ويسارا، وفي خطاب النّاطقين بألفاظ الشّريعة أوفي خطاب المنكرين لها، ما يعادل أو يوازن ما رسم به الرّجل للعالم؟ إنّ الرّجل حذّر من خراب العالم، وبطلان العصمة للنّاس وفساد قوام العالم وزوال ما يمسك السّماوات والأرض أن تزولا. فإن أدركنا تغيّر الأزمنة وانتبهنا إلى ما يتناسب معها فقد ننجو ونعمّر. وإن أبينا إلّا الارتداد عُمْيًا صُمًّا،فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله… ولكن نصّ القرآن بين أيديكم وأحاديث النّبوّة مصفّاة فتأمّلوها. وإيّاكم وعليلها ومنقطعها ومرسلها وضعيفها ومكذوبها عنه صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ الوعّاظ والقصّاصين يبحثون عن الغريب المفارق لطبيعة النّفس والتّكوين، فينبهر البسطاء، ويرون المكذوب أصدق الحديث، وتعرض على أنّها من الشّريعة. ويعمد المفترون المنكرون الشّريعةَ إلى عرضها وترويجها وتوزيعها بالمجّان، بل وتصويرها أفلاما، فينمّقون وهم يدسّون السمّ الزُعَافَ، ويلتقطها أبناؤنا المراهقون على الموسوعات والفضائيّات المأجورة،فيطفؤون النّور، ويضلّون العقول، ويفسدون النّفوس، ثمّ ينتصبون بكلّ مسموع ومنظور ومشهود،يشوّهون ويرهّبون. إنّ الله بارككم بعقول حُمِّلْتُمُوها وبصائرزكّاكم بها، فتحرّوا الحقّ، وتمسّكوا بالعدل، والتحفوا الرّحمة، وتدثّروا الحكمة، فتلك شِرْعَةَ ربّ العالمين، فاتّبعوها… أليس كذلك؟

لا تعليقات

اترك تعليق