ميديا بلوس-تونس-لمّا كان من شروط المحاجّ أن يكون ذا رأي وذا مشروع يدافع عنه، وأن يكون فاعلا مؤمنا بقدرته ومعترَفا له بها فإنّنا نقترح مشروع منوال تعليميّ يتأسّس على المبادئ الآتية:
• النّظر إلى فروع مادّة العربيّة باعتبار تضافرها وتواشجها على نحو تتراشح المعارف فيها وتتواصل المهارات فتسلم القراءة إلى الكتابة وتجرى المعارف اللّغويّة مشافهة وكتابة.
• التعاقد الصّريح بين الأستاذ والمتعلّمين حول الأهداف والغايات وشكل العمل وأساليبه.
• منطلق الدّرس التّلميذ: تصوّراته، أعماله، اتّجاهاته، مواقفه، أسئلته، حيرته…
• الوصل بين التّعلّم والتّقويم (تدريب التّلاميذ على الفكر النّقديّ فحصا للآراء والأفكار وتنمية صورة الذّات لدى المتعلّم من خلال قرائن التّقويم يستعملها مشافهة وكتابة:” والرّأي عندي، وإنّي لأرى،…).
• التّنويع في الوسائل التّعليميّة وإيجاد البدائل التّعليميّة المناسبة للمقام.
ويستهدي – هذا المنوال التّعليميّ الّذي نقترح – بالوضعيّات التّعليميّة الآتية:
الوضعيّات التّعليميّة:
* العابرة لفروع المادّة:
– السّؤال الّذي يثير الأسئلة ويقدح الحيرة ويومض الفكرة ويمكّن من النّظر إلى الموضوع الواحد من زوايا مختلفة: (القطع مع الأسئلة السّاذجة الّتي يكون الجواب مضمّنا فيها أو الّتي تدعو إلى حدس الجواب الّذي ينتظره الأستاذ).
– سؤال التّلميذ مستوضحا أو منكرا أو معترضا أو شاكّا… (السّؤال ليس وقفا على الأستاذ). إذ لا يتعلّمُ المُتعلّمُ حتّى يسألَ ” لماذا؟ ” وقد ” كان الخليفة المأمون يقول لأهل ناديه إذا جارَوْه على كلام: هلاَّ سألتموني لماذا؟ فإنَّ العلم على المناظرة أثبتُ منه على المهابة.”
– الوضعيّات التّعليميّة الأصيلة كالوضعيّة المشكل والوضعيّة الإدماجيّة والوضعيّة الحواريّة: من شأن هذه الوضعيّات أن تدرّب المتعلّم على حريّة التّفكير والتّصريح بمواقفه وأفكاره.
– الانفتاح على مبادرات التّلاميذ وأفكارهم وتشجيعها بقطع النّظر عن وجاهتها (تعويدهم الجرأةَ في التّعبير عمّا يرونه صحيحا والحؤولة دون سوء تقدير المرء لفكرته أو الخوف من النّقد عند التّصريح بها).
– إيجاد فرص أثناء الدّرس للتّعبير عن الذّات وللعمل الحرّ استعدادا له أو استثمارا له وتوظيفه تعليميّا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جزء من مداخلة بعنوان:” الحجاج منوالا تعليميّا”. هيئة تفقّد العربيّة. نابل 2016
مقالة “احترام الأفكار”. الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– تدخّل المتعلّم المستوفى لفظا ومعنى يَحتجّ للإقناع برأيه وجعل الصّوغ نشاطا تعليميّا قارّا من خلاله يتدرّب على الاشتغال على المعجم انتخابا وتوزيعا، وعلى نسج القول المنسجم المترابط (الإجابة المبتسرة لا تبني شخصيّة مؤمنة بذاتها وبقدرتها)
– العمل بإيقاعات متفاوتة تناسب مستوى المتعلّمين ونوع ذكائهم وهو ما يساعد على العمل التّشاركيّ التّعاونيّ كما يساعد على اكتشاف الجديد المتميّز.
* في حصص القراءة (الأدب):
– انتظام التّعلّمات في إطار مشروع قرائيّ يبنيه المتعلّم بمساعدة أستاذه فالنّصّ المنتخب ليس منقطعا عن نصّ الكتاب، وعن الكتابات التي تناولت الموضوع نفسه، وعن التيّار الأدبيّ أو المدرسة الإبداعيّة التي نشأ في إطارها، وعن زمان الكتابة سياقا ورؤية، وعن القضايا الّتي تشغل الإنسان ماضيا وحاضرا. ويمكّن مشروع المتعلّم القرائيّ من تنميّة اتّجاهاته الفنيّة والفكريّة سبيله إلى محاورة النّصوص والتّفاعل معها في ضوء معيشه، كما يمكّنه من توسيع آفاقه فيُحسن الاحتجاج لآرائه حين يتواصل مشافهة أو كتابة.
– الاحتكام إلى معيار الوظيفة في مراحل الدّرس: لا معنى لتقديم هو من المعلوم ضرورة لا أصالة فيه ولا إضافة، ولا قيمة لموضوع إن لم يكن تأليفا لفكر النّصّ الكبرى ولا قيمة لعناصر لا تكشف عن منطق انتظامه، وينبغي أن يُسلم الموضوع إلى العناصر وأن تُسلم العناصر إلى الموضوع وكذا الجدل بين التّأليف والتّفكيك في اللّغة الّتي نتكلّم وفي الحياة الّتي نحيا. ولا قيمة لجميع هذا إن لم يكن من كدّ المتعلّم ومن بنات فكره.
– ترك ما “يريد الكاتب قوله” إلى ما وجده المتعلّم في قول الكاتب وإلى ما يريد أن يجده.
– الاشتغال على التّنافذ بين تجربة المبدع وتجربة المتعلّم القارئ عن طريق المشاركة الوجدانيّة عبر التّقبّل والتّوظيف وإعادة الإنتاج، وعن طريق المحاورة العقليّة – تأييدا أو تعديلا أو رفضا- نظرا في القضايا المثارة على نحو يساعده على فهم واقعه والانخراط فيه فإذا ما كان الدّرس في “الحجاج” صار من النّصّ إلى الفصل/القسم، ومن قواعد النّمط إلى احتجاج المتحاورين وظُهورِهم، ومن روابطَ وعواملَ حجاجيّة ترصد في النّصّ إلى أساليبَ في القول يتوخّاها المُخاطِبون يبلغون بها عقل المُخاطَب ووجدانه.
– انتظام التّقييدات على اللّوح وترابطها موجزة دقيقة تكون ثمرة حوار مع المتعلّمين في شأنها فإذا ما روجعت بعد حين تردّدت أصداؤه في خلدهم فوقرت في أنفسهم معنى حيّا خصيبا.
* في حصص اللّغة:
– اعتبار الأسناد نصوصا متجذّرة في واقعها النّفسيّ والاجتماعيّ حاملة لقيم المجموعة المتكلّمة بتلك اللّغة (البحث في السّند عمّا يؤكّد الضّابط النّحويّ من دون الالتفات إلى السّياق الّذي أنتجه والمقصد الّذي انتظمه، يضيّع فرصة التّحاور معه والإفادة منه وقد شاعت في دروس اللّغة الأمثلة المنتزعة من سياقاتها أو الغريبة سياقاتها عن التّلميذ وواقعه أو غير الملائمة لمستواه التّعليميّ فتعطّلَ ذلك التّحاور)
– توظيف الظّواهر اللّغويّة المدروسة في مختلف مقامات التّواصل الشّفويّ والكتابيّ بين الأستاذ وتلامذته وبين التّلامذة في ما بينهم حين يتحاورون أو يسردون أو يصفون أو يحتجّون أو يبدعون. وإنّ من ضيق النّظرة أن يُقصر تعلّم اللّغة أبنية وتراكيبَ على حصص اللّغة فإذا كانت غيرُها لم يُستدع المُتَعَلَّمُ فيكونَ عونا على حسن المقال وفصل الخطاب.
* في حصص التّواصل الشّفويّ:
– يحتجّ المتعلّم فيها على فهمه وقوّة حضوره وثقته بنفسه إذ يُلقى محفوظه إلقاء، وإذ يسأل السّؤال الحصيف ويجيب الجواب المقنع، ويحتجّ على ممكن من العيش إذ يسرد قصصا عاش أطوارها أو قرأ أحداثها أو أنشأ عالمها، ويحتجّ على وجهة نظره معلّلا ومدلّلا إذ يقدّم عرضا أو يعرّف بكاتب أو يناقش قضيّة . ولن يفعل حتّى يستدعيَ قراءاته ومعارفه المكتسبة، وحتّى تكون الحصص السّابقة قد هيّأته للوقوف هذا الموقف.
* في حصص الإنتاج الكتابيّ:
– لمّا كانت الكتابة ” رحلة من السمعيّ الشّفويّ إلى المرئيّ المشفّر ودليلا على استحالة الكلام والفكر معا في المكتوب” فإنّ المتعلّم يكتب حين يستمع وحين يشافه فإذا كتب قرأنا كتابه. ومن أجل ذلك كانت الكتابة مجال التّقييم والإشهاد ففيها الصّوت الّذي سمعه وحظّه من الصّفاء والبيان، وفيها الخطاب الّذي تبادَله وحظُّه من الاتّساق والانسجام ومن قبول الآخر واهتمامه، وفيها الحرف كيف أقيمت خطوطه وكيف تآلفت أسماؤه فكانت العبارةَ عن عقل منشئه وقلبه يريد من قارئه أن يصبوَ إليه فيتابعه وهو يفصّل الأجزاء فيؤلّف بينها ويوافقُه إذ يستدلّ داعما أو داحضا، وكيف تمّ له ذلك بعد المدارسة والتّحصيل. وإنّ أوقاتا تُصرف في ما يجب أن يكون وما يجب أن لا يكون في ضرب من الوعظ والإرشاد، وفي الأمر نحوم حوله ولا نأتيه، وفي إملاء فِقَر يُراد للمتعلّم أن يقفوها يُظنّ به العجزُ أن يعتسف السّبيلَ. ولو بذلت في محاجّة المُتعلّم في الكتاب الّذي كتب يُعيد فيه النّظر فيقوّمُ أمتا ويصلح خللا ويجوّد العبارة ويحسن الإشارة ويسوس الكلام فيبلغُ الأفهامَ لكان ذلك أدعى إلى إقداره على الاحتجاح لما يريد بلوغه.

وبعد. فهذه وجوه من إمكانات إجراءِ الحجاج في الممارسة التّعليميّة إجراءً يخلّص المتعلّمَ من وصاية معلّمه فيجتهد ويُسأل في اجتهاده، ويدرّبه على ما به يكون ذا عقل يُحاورُ ولسان يُراجعُ ونفس تتوق إلى ممكن من العيش تَحشد إليه النُّهى والأنفس، ويعلّمه أن يكون مختلفا لأنّ الوجود يأبى النّمط .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]من أشكال التّواصل الشّفويّ في المرحلة الثّانية من التّعليم الاساسيّ: المحفوظات، القراءة، المطالعة، الحوار، العرض، وفي المرحلة الثّانويّة: المحفوظات، المطالعة، القضايا الحضاريّة.

[1] انظر والتر ج .أونج، الكتابية والشفاهية  سلسلة عالم المعرفة

[1] جاء في اللّسان:” جماعة من النّاس أمرهم واحد”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعسى أن تُخفّف البرامجُ التّعليميّة فتتسع فرص الحوار والمذاكرة، وأن تُعقد بين ألوانها عُرى نسب فتتنوّع الرّؤى وتتّسع آفاق النّظر، وأن تعقد مجالس الفكر والأدب وتُحيَى أدابُ الحوار والمناظرة فتكون خصومة في الرّأي ويكون غنًى في الإنسان؛ “الفردِ الحشودِ”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العبارة للشّاعر محمود درويش.

لا تعليقات

اترك تعليق