مديا بلوس-تونس-عن دار “الثقافية للنشر والتوزيع” صدرت مؤخّرا للشّاعر عبد اللطيف علوي روايته الأولى: “الثقب الأسود”، في غلاف أنيق ومثير ويبتعد عن شعبويّة الرّموز المستهلكة المعروفة تقليديّا في تيمة أدب السّجون…
الرّواية من حجم 14,5 / 21، تضمّ 240 صفحة وتنقسم إلى اثني عشر فصلا، إضافة إلى فصل مستقلّ يطرح سؤال الذّاكرة والنّسيان، وإهداء أراده الكاتب:
“إلى أبناء الجيل الضّائع،
من حاولوا الطّيران
فقُصّتْ أجنحتهم!
إليهم جميعا
من مات منهم، ومن عاش
ليشهد عودة المأساة…
بالعرض البطيء”
ثمّ تصدير قصير أراد الكاتب من خلاله أن يضع الرواية في إطارها التاريخي والجغرافيّ والسياسي، يقول فيه:
“هذه الرّواية ليست سيرة ذاتيّة، وإن كانت لا تخلو من ذلك، وليست مغناة شرقيّة، وليست ميلودراما ثوريّة لأبطال جمعتهم المحرقة في نفس المكان والزّمان…
هذه الرّواية هي حالة وعي “شقيّ”، بأشياء كثيرة كان يجب أن أكتبها منذ زمن طويل، لكنّها لسبب مّا، بقيت تنتظر أكثر من عشرين سنة.

كلّ أحداثها حقيقيّة، وقعت في أماكن مفترضة في شرق البلاد وغربها، وفي أزمنة مختلفة من نفس الحقبة السّوداء، ولأشخاص بغير أسمائهم، بعضهم قضى نحبه دائنا أو مدينا، وبعضهم مازال يحمل فيروس اللّعنة في دمه ويتحسّس كالأعمى طريقه إلى النّسيان!…
هذه الرّواية لا تعدو أن تكون شهادة عن زمن يريدونه اليوم بلا شهود، ووفاء قليلا، لمن كانوا حطبا للثّورة، وتكفيرا عن أحلام بسيطة،في بلد لا يغفر الأحلام…”
تعود الرواية إلى بداية التّسعينات، “خالد الشّرفيّ”، أحد البطلين الظّاهريّين في هذه الرّواية هو سائق سيّارة نقل ريفيّ، في قرية من قرى الشّمال التّونسيّ، نصف مثقّف، لا علاقة له بالسياسة ولا بالإسلاميّين، غير أنّه يجد نفسه بالصّدفة في قلب الرّحى إبّان حملة النّظام آنذاك على ما عرف ب”الإخوانجيّة”، يعتقل ويحكم عليه بالسجن لمدّة خمس سنوات، ويعيش أطوار المحرقة، لكنّه يسترجع، وهو داخل السّجن حبّه الأوّل، الّذي فقده منذ عشر سنوات، ويعيش تجربة صداقة عميقة مع أحد المعتقلين السياسيين، جعلته يتغيّر من الدّاخل، ويعيد النظر إلى كل ما فات من حياته بشكل مختلف، ويعيش السّجن بعمق وصفاء يصل أحيانا إلى حدّ السّعادة بتلك التّجربة التي غيّرت حياته، لكنّه يكون شاهدا في النّهاية على جريمة دولة، وتنجرف الأحداث بشكل دراميّ في اتّجاه آخر، ويصبح الصّراع من أجل البقاء…

البطل الثّاني، الّذي يظهر في ستّة فصول هو الحبيبة المفقودة، “فدوى العمدوني” معلّمة، تفقد والديها مبكّرا، ثمّ تضطرّ إلى حياة أخرى، تعيش زواجا فاشلا من عربيد بلطجيّ، تكتشف السّلطة علاقتها بخالد الشرفيّ، وتسعى إلى مساومتها وتجنيدها لمراقبة بعض زملائها… تتطوّر الأحداث، فتجد نفسها في مواجهة قاتلة مع طليقها الذي يصرّ على الرّجوع إليها ثمّ يحاول اغتصابها، ومع السّلطة التي تحاول أن تغتصب شرفها بشكل آخر، وفي خلال كلّ ذلك، يبقى خالد الشّرفيّ هو الجدار الوحيد الذي تستند إليه… ويدور الصّراع ، من أجل الشرف…
الرواية كتبت بأسلوب السّرد الدّائريّ، الّذي ينطلق من نفس النّقطة الّتي سوف ينتهي إليها، وتتفرع إلى أحداث أخرى كثيرة تدور في أزقّتها الخلفيّة، وتفيض من الجانبين، فيظهر أبطال آخرون في المرآة، ويكتشف القارئ في نهايتها أنّه تعرّض إلى عمليّة خداع فنّي جميل، حيث يكتشف أنّ الأبطال الحقيقيّين لم يدفع بهم الكاتب إلى الواجهة…

رواية “الثقب الأسود”، هي رواية الصّراع من أجل البقاء، ومن أجل الشّرف… هي جمرة الذّاكرة في مواجهة عتمة النّسيان، تراجيديا التّسعينات وشهادة عن زمن يريدونه اليوم بلا شهود، ملحمة الحبّ والصّداقة والقيم الكبرى الّتي تصارع من أجل البقاء في قلب العاصفة، وهي في النّهاية تعبير صادم عن سياق وطنيّ وقوميّ قاتل، لكنّه زرع في النّهاية من حيث لا يشعر، بذور فنائه وانتصار الحياة…

ملاحظة: الرواية موجودة في المعرض الدولي للكتاب/ جناح مكتبة تونس رقم 315.

لا تعليقات

اترك تعليق