ميديا بلوس-تونس-لعلّ الهجرة النبوية من أهمّ مراحل الدعوة المحمّديّة التي يحقّ للمسلمين أن يتوقّفوا عندها للتفكّر والاعتبار حتى يعلموا أن روح الانهزامية والتواكل التي يعيشونها اليوم لا يمكن تجاوزها إلا بالعمل وحسن التوكل على الله إيمانا وأخذا بالأسباب موقنين بأنّ النصر على العدوّ والفقر والخصاصة لا يكون إلا بحسن الإعداد والاستعداد: فرسول الله -صلوات الله عليه وسلامه-لم ييأس يوما أبدا من رحمة الله رغم التكذيب والحصار والتعذيب ولم يكتف بالدعاء وانتظار فرج بعد ضيق، ولكنّه بذل ما استطاع من جهد في مكة داعيا إلى التوحيد ،فما آمن معه إلا قليل. وعندما ضاق مجال الدعوة بين قومه خرج بها إلى الطائف حيث لاقى من الصدود والعنت ما تشيب لهوله الولدان. ورغم ذلك فإنّه لم يدعُ على مهاجميه بل إنّه تضرّع إلى الله قائلا: “…إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي… اللهم ّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون”. فكان أن كرَّمه رَبِّه بالإسراء والمعراج وعوّضه عن جفاء أهل الأرض بحفاوة أهل السماء. ولما أذن له رَبِّه في الهجرة إلى يثرِب لم يتخلّف عن تهيئة الأسباب لنجاحها: فتواصل مع مجموعة من أهل المدينة الذين أسلموا على يديه وبايعوه على أن يناصروه إذا التحق بيثرب، وذلك في مناسبتين أي بيعة العقبة الأولى والثانية. فاستعدّ رسول الله -صلوات الله عليه وسلامه-لذلك الحدث العظيم الذي سيكون منعرجا هامًّا في نجاح الدّعوة وبناء دولة الإسلام.
هيّأ الأسباب التي تمنع عنه أَذى قريش فأعدّ وسائل الرحلة من راحلة وزاد ودليل عارف بالمسالك ومرافق يحبّه (وهو أبو بكر الصدّيق-رضي الله عنه-) في سرّيّة تامّة، وخرج في جنح الظلام بعدما ترك علي بن أبي طالب-رضي الله عنه نائما في فراشه بعدما سلَّمه أمانات الناس المودعة عنده وشقّ صفوف صناديد قريش المتربّصين به ليقتلوه -وقد غشيهم النوم-. ولم يتوجَّه النبيء مع صاحبه إلى المدينة مباشرة، بل إنّه لجأ إلى غار ثور جنوبيّ مكّة حيث بقي ثلاثة أيّام تمويها على ملاحقيه وتيئيسا لقريش. ولما وصل بعضهم إلى فوهة الغار لم يدخلوه وكأنما عميت أبصارهم. وخاف أبو بكر هامسا: “يا رسول الله، لو أنّ لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا.” فطمأنه النبيء-صَلَّى الله عليه وَسَلَّم قائلا: “يا أبابكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟”. وفي ذلك نزل قوله تعالى: “إِلَّا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا…”صدق الله العظيم. فحسن التوكل على الله لا يعني السلبية وانتظار المعجزة، وإنما جوهره اعتماد الأسباب كوسائل لتحقيق الغايات مع الإيمان العميق بأنّ الله تعالى وحده القادر على تحقيقها. فلا توكّل بدون عمل وبذل وإعداد وتضحية. ولا شكّ أنّ تارك العمل متواكل وليس متوكّلا.
فلنتذكّر أنّ نجاح الهجرة النبوية خاصّة وانتصارات المسلمين عامّة لم تكن محض صدفة،وإنما كانت نتيجة إعداد واستعداد وإيمان وتضحية وصبر وتخطيط. ولكل تلك الأسباب كانت الهجرة النبوية منطلقا لتوسّع الدعوة وبناء اللبنات الأساسية لدولة الإسلام ولكل الانتصارات التي تلتها. “وعلى الله فتوكّلوا إن كُنتُم مؤمنين.” صدق الله العظيم.

لا تعليقات

اترك تعليق